أبو عبيدة بن الجراح

 

 أمين هذا الأمة وفاتح بلاد الشام :

 عـن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عـليه وسلم قال : ( إن لكل أمة أمينا ، وإن أميننا أيتها الأمة أبو عـبيدة بن الجراح ) .
 قال العـلماء : والأمانة مشتركة بينه وبين غـيره من الصحابة ، لكن النبى صلى الله عـليه وسلم خص بعـضهم بصفات غـلبت عـليهم ، وكانوا بها أخص .
 وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله : والأمين هو الثقة الرضى وهذه الصفة وإن كانت مشتركة بينه وبين غـيره لكن السياق يشعـر بأن له مزيداً فى ذلك ، لكن خص النبى صلى الله عـليه وسلم كل واحد من الكبار بفضيلة ووصفه بها ، فأشعـر بقدر زائد فيها عـلى غـيره ، كالحياء لعـثمان ، والقضاء لعـلى ونحو ذلك .
 وها نحن عـلى موعـد مع أمين هذه الأمة : أول من لقب بـ( أمير الأمراء ) إنه أحد السابقين الأولين ، ومن عـزم الصديق عـلى توليته الخلافة ، وأشار به يوم السقيفة ، لكمال أهليته عـند أبى بكر ، يجتمع فى النسب هو والنبى صلى الله عـليه وسلم فى فهر ( اسم جده ) شهد له النبى صلى الله عـليه وسلم بالجنة وسماه أمين الأمة ، ومناقبة شهيرة جمة .

 إسلامه - رضى الله عـنه :

 فى تلك اللحظة التاريخية التى أسلم فيها أبو بكر - رضى الله عـنه ، خرج يدعـو إلى الله ليأخذ بأيدى الناس من حوله إلى جنة الرحمن - جل وعـلا ، فكان من جملة من أسلموا عـلى يديه ( أبو عـبيدة بن الجراح ) رضى الله عـنه .
 فكان بذلك ممن أسلموا مبكراً قبل أن يدخل الرسول صلى الله عـليه وسلم دار الأرقم ، وكان ممن هاجروا إلى الحبشة الهجرة الثانية .
 وذلك بعـد أن أعـلنت قريش العـداء عـلى رسول الله صلى الله عـليه وسلم وعـلى أصحابه - رضى الله عـنهم ، فهاجر أبو عـبيدة مع من هاجر إلى الحبشة .
 وعـلى الرغـم من الحفاوة البالغـة التى قابلهم بها النجاشى ( ملك الحبشة ) إلا أن أبا عـبيدة كان لا يتحمل أبداً أن يبتعـد عـن حبيبه صلى الله عـليه وسلم والجلوس معـه والتعـلم عـلى يديه والاقتباس من هديه وأخلاقه لا يعـدله أى نعـيم ولا أى متاع فى الدنيا بأسرها .
 فسرعـان ما عـاد مرة أخرى إلى مكة مع إخوانه المهاجرين الذين وصل إلى مسامعـهم تلك الإشاعـة الكاذبة ( بإسلام أهل مكة ) .
 وما إن اقتربوا عـلى أبواب مكة حتى عـلموا الحقيقة المؤلمة وعـلموا أن قريشاً تنتظر رجوعـهم لتسلط عـليهم ألوانا من العـذاب لا تخطر ببالهم .
 ولم يدم بقاء ( أبى عـبيدة ) بمكة طويلا حتى أذن النبى صلى الله عـليه وسلم له ولأصحابه بالهجرة إلى المدينة ( يثرب ) لتكون هذه المدينة هى القاعـدة المباركة التى تقوم عـلى أرضها للإسلام دولة تخرج للكون كله نماذج من الرجال والأبطال الذين تربوا بين يدى الحبيب صلى الله عـليه وسلم الذى رباه الله - جل وعـلا ، ليربى به الأم والأجيال عـبر العـصور والأزمان .
 وشاهدت الطريق الممتدة إلى المدينة فارساً يطلق العـنان لراحلته لتسابق الريح ، وتطوى الأرض تحت أقدامها طياً ، حتى يلحق بالعـصبة المؤمنة الفارة بدينها ، ولم يكن هذا الفارس سوى أبى عـبيدة بن الجراح الذى وقف أمام الرسول صلى الله عـليه وسلم ووجهه لا يكاد يعـرف من كثرة ما تراكم عـليه من رمال الصحراء وعـناء الطريق ، فاستقبله الرسول صلى الله عـليه وسلم وهش لمقدمه ، وآخى بينه وبين سعـد بن معـاذ - رضى الله عـنه .

 درس فى الولاء والبراء يوم بدر :

 وفى غـزوة بدر قاتل أبو عـبيدة - رضى الله عـنه ، قتالاً شديداً حتى كان المشركون يبتعـدون عـن البقعـة التى يقاتل فيها ، ولكن كان هناك فارس يتصدى له كثيراً ، وأبو عـبيدة يحيده عـنه فلما أكثر الرجل من التصدى لأبى عـبيدة هجم عـليه كالأسد الضارى فقتله شر قتلة .
 أتدرون من هو المقتول ؟
 إنه - والد أبى عـبيدة ، وأنزل الله فى شأنه وشأن أبيه قرآنا يتلى إلى القيامة ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عـشيرتهم أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها رضى الله عـنهم ورضوا عـنه أولئك حزب الله إلا إن حزب هم المفلحون ) .
 قال سعـيد بن عـبدالعـزيز وغـيره أنزلت هذه الآية ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ) إلى أخرها فى أبى عـبيدة عـامر بن عـبدالله بن الجراح حين قتل أباه يوم بدر ، ولهذا قال عـمر بن الخطاب - رضى الله عـنه ، حين جعـل الأمر شورى بعـده فى أولئك الستة - رضى الله عـنهم ، ولو كان أبو عـبيدة حيا لاستخلفته .
 فيا له من موقف عـظيم لأبى عـبيدة يلقن فيه الدنيا كلها درساً عـظيماً ليعـلموا أن الولاء إنما يكون لله ولرسول الله صلى الله عـليه وسلم وللمؤمنين ، وأن البراء لابد أن يكون من أعـداء الله - جل وعـلا .
 فقد قال تعـالى : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعـون ) .
 وقال تعـالى : ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعـشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد فى سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره والله لا يهدى القوم الفاسقين )

 دفاعـه عـن النبى صلى الله عـليه وسلم يوم أحد :

 وفى يوم أحد لما عـصى الرماة أمر رسول الله صلى الله عـليه وسلم فانكشف المسلمون وأجهز عـليهم المشركون ، فأصابوا منهم من أصابوا ، وكان يوم بلاء وتمحيص أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة حتى خلص العـدو إلى رسول الله صلى الله عـليه وسلم وأرادوا قتله والتمثيل بجثته .
 عـن أنس بن مالك ، قال : كسرت رباعـية النبى صلى الله عـليه وسلم يوم أحد ، وشج فى وجهه ، فجعـل الدم يسيل عـلى وجهه ، وجعـل يمسح الدم هو يقوم : ( كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم ، وهو يدعـوهم إلى ربهم ) فأنزل الله - عـز وجل ، فى ذلك ( ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عـليهم أو يعـذبهم فإنهم ظالمون ) .
 وكانت أحرج ساعـة بالنسبة إلى حياة رسول الله صلى الله عـليه وسلم وفرصة ذهبية بالنسبة إلى المشركين ، ولم يتوان المشركون فى انتهاز تلك الفرصة ، فقد ركزوا حملتهم عـلى النبى صلى الله عـليه وسلم وطمعـوا فى القضاء عـليه ، رماه عـتبة ابن أبى وقاص بالحجارة فوقع لشقه ، وأصيبت رباعـيته اليمنى السفلى ، وكلمت شفته السفلى وتقدم إليه عـبدالله بن شهاب الزهرى ، فشجه فى جبهته ، وجاء فارس عـنيد هو ( عـبدالله بن قمئة ) فضرب عـلى عـاتقه بالسيف ضربة عـنيفة ، شكا لأجلها أكثر من شهر ، إلا أنه لم يتمكن من هتك الدرعـين ، ثم ضرب عـلى وجنته صلى الله عـليه وسلم ضربة أخرى عـنيفة كالأولى ، حتى دخلت حلقتان من حلق المغـفر فى وجنته ، وقال : خذها وأنا ابن قمئة ، فقال رسول الله صلى الله عـليه وسلم له ، وهو يمسح الدم عـن وجهه : ( أقمأك الله ) .
 وكان أبو عـبيدة - رضى الله عـنه ، ممن ثبتوا مع النبى صلى الله عـليه وسلم وأبلى يوم أحد بلاء حسناً ، ونزع يومئذ الحلقتين اللتين دخلتا من المغـفر فى وجنة رسول الله صلى الله عـليه وسلم من ضربة أصابته ، فانقلعـت ثنيتاه ، فحسن ثغـره بذهابهما ، حتى قيل : ما رؤى هتم قط أحسن من هتم أبى عـبيدة .
 فانظر - رحمك الله ، كيف بلغ الأدب بأبى عـبيدة ، لا ينزع حلقتى المغـفر بيده لئلا يؤذى رسول الله صلى الله عـليه وسلم ، بل ينزعـهما بفمه حتى سقطت ثنيتاه .
 وظل أبو عـبيدة - رضى الله عـنه ، يشهد المشاهد مع رسول الله صلى الله عـليه وسلم ويثبت ثبات الجبال وهو يحمل إيماناً لا تعـصف به الرياح ولا تزعـزعـه الأعـاصير .
 وكان النبى صلى الله عـليه وسلم يحبه حبا جماً ، بل ويفتخر به كل الفخر .
 عـن عـبدالله قال : سألت عـائشة : أى أصحاب رسول الله صلى الله عـليه وسلم كان أحب أليه ؟ قالت : أبو بكر ، ثم عـمر ، ثم أبو عـبيدة بن الجراح .
 بل قال صلى الله عـليه وسلم ( نعـم الرجل أبو عـبيدة بن الجراح ) .

 سرية ( ذات السلاسل ) وعـدم حرصه عـلى الإمارة :

 ولقد ظهر تواضعـه - رضى الله عـنه ، وعـدم حرصه عـلى الإمارة فى تلك السرية ذات السلاسل ، ولا أقصد بذلك أنه لم يتواضع فى غـيرها ، ولكن الموقف هنا كان يدعـونا للوقف أمامه لنتعـلم هذا الدرس العـظيم إلا وهو : أن المؤمن عـليه أن يعـمل لخدمة دينه وإن لم يكن ظاهراً أمام الناس ، وذلك لأنه لابد أن يبتغـى بعـمله هذا وجه الله تعـالى .
 لقد بعـث الحبيب صلى الله عـليه وسلم عـمرو بن العـاص إلى أرض ( بلى ) و ( عـذرة ) ليدعـو الناس إلى الإسلام وكانت أم عـمرو من ( بلى ) فتألفهم بذلك رسول الله صلى الله عـليه وسلم فسار عـمرو حتى إذا كان عـلى ماء بأرض جذام ، يقال له السلسل ، وبذلك سميت تلك الغـزوة ، غـزوة ذات السلاسل ، فلما كان عـليه خاف فبعـث إلى رسول الله صلى الله عـليه وسلم يستمده ، يطلب مدداً فبعـث إليه رسول الله صلى الله عـليه وسلم أبا عـبيدة بن الجراح فى المهاجرين الأولين ، فيهم أبو بكر وعـمر ، وقال : لأبى عـبيدة حين وجهه ( لا تختلفا ) فخرج أبو عـبيدة حتى إذا قدم عـليه ، قال له عـمرو : إنما جئت مدداً لى ، قال أبو عـبيدة : لا ، ولكنى عـلى ما أنا عـليه ، وأنت عـلى ما أنت عـليه ، وكان أبو عـبيدة رجلاً لينا سهلاً عـليه أمر الدنيا فقال له عـمرو : بل أنت مدد لى ، فقال أبو عـبيدة : يا عـمرو ، إن رسول الله صلى الله عـليه وسلم قال لى : ( لا تختلفا ) وإنك إن عـصيتنى أطلعـتك ، قال : فإنى الأمير عـليك ، وأنت مدد لى ، قال : فدونك ، فصلى عـمرو بالناس .

 سرية أبى عـبيدة إلى سيف البحر والرزق الذى ساقه الله إليهم :

 عـن عـبادة بن الصامت ، قال : بعـث رسول الله صلى الله عـليه وسلم سرية إلى سيف البحر ، عـليهم أبو عـبيدة بن الجراح ، وزودهم جراباً من تمر ، فجعـل يقوتهم إياه ، حتى صار إلى أن يعـدهت عـليهم عـدداً قال : ثم نفد التمر ، حتى كان يعـطى كل رجل منهم كل يوم تمرة ، قال : فقسم يوماً بيننا ، قال : فنقصت تمرة عـن رجل ، فوجدنا فقدها ذلك اليوم ، قال فلما جهدنا الجوع أخرج الله لنا دابة من البحر ، فأصبنا من لحمها وودكها ، وأقمنا عـليها عـشرين ليلة ، حتى سمنا وابتللنا ، وأخذ أميرنا ضلعـا من أضلاعـها ، فوضعـها عـلى طريفه ، ثم أمر بأجسم بعـير معـنا ، فحمل عـليه أجسم رجل منا ، قال : فجلس عـليه ، قال : فخرج من تحتها وما مست رأسه ، قال : فلما قدمنا عـلى رسول الله صلى الله عـليه وسلم أخبرناه ، خبرها ، وسألناه عـما صنعـنا فى ذلك من أكلنا أياه ، فقال : ( رزق رزقكموه الله ) .

 هذا أمين هذه الأمة :

 ولما جاء وفد نجران إلى الحبيب صلى الله عـليه وسلم كانت هناك منقبة عـظيمة لأبى عـبيدة - رضى الله عـنه .
 فإنه لما نزل الوفد بالمدينة ولقى النبى صلى الله عـليه وسلم سألهم وسألوه ، ثم دعـاهم إلى الإسلام وتلا عـليهم القرآن فامتنعـوا ، وسألوه عـما يقول فى عـيسى - عـليه السلام ، فمكث رسول الله صلى الله عـليه وسلم يومه ذلك حتى نزل عـليه : ( إن مثل عـيسى عـند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ، الحق من ربك فلا تكن من الممترين ، فمن حاجك فيه من بعـد ما جاءك من العـلم فقل تعـالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعـل لعـنة الله عـلى الكاذبين ) .
 ولما أصبح رسول الله صلى الله عـليه وسلم أخبرهم بقوله فى عـيسى بن مريم فى ضوء هذه الآية الكريمة ، وتركهم ذلك اليوم ، ليفكروا فى أمرهم ، فأبوا أن يقروا بما قال فى عـيسى ، فلما أصبحوا وقد أبوا عـن قبول ما عـرض عـليهم من قوله فى عـيسى ، وأبوا عـن الإسلام دعـاءهم رسول الله صلى الله عـليه وسلم إلى المباهلة ، وأقبل مشتملاً عـلى الحسن والحسين فى خميل له ، وفاطمة تمشى عـند ظهره ، فلما رأوا منه الجد والتهيؤ خلوا وتشاوروا فقال كل من العـاقب والسيد للآخر : لا تفعـل فوالله لئن كان نبياً فلاعـننا لا نفلح نحن ولا عـقبنا من بعـدنا فلا يبقى عـلى وجه الأرض منا شعـرة ولا ظفر إلا هلك ، ثم اجتمع رأيهم عـلى تحكيم رسول الله صلى الله عـليه وسلم فى أمرهم ، فجاءوا وقالوا : إنا نعـطيك ما سألتنا ، فقبل رسول الله صلى الله عـليه وسلم منهم الجزية ، وصالحهم عـلى ألفى حلة ، ألف فى رجب ، وألف فى صفر ، ومع كل حلة أوقية ، وأعـطاهم ذمة الله وذمة رسوله ، وترك لهم الحرية الكاملة فى دينهم ، وكتب له بذلك كتاباً ، وطلبوا منه أن يبعـث عـليهم رجلاً أميناً ، فبعـث عـليهم أمين هذه الأمة أبا عـبيدة بن الجراح ، ليقبض مال الصلح .
 وفى رواية : قالوا : إنا نعـطيك ما سألتنا وابعـث معـنا رجلاً أميناً ، ولا تبعـث معـنا إلا أميناً ، فقال : لأبعـثن معـكم رجلاً أميناً حق أمين ، فاستشرف له أصحاب رسول الله صلى الله عـليه وسلم فقال : قم يا أبا عـبيدة بن الجراح فلما قام قال رسول الله صلى الله عـليه وسلم : ( هذا أمين هذه الأمة ) .

 صور مشرقة من جهاده فى سبيل الله تعـالى :

 وظل أبو عبيدة ملازماً للعـبادة والطاعـة والدعـوة إلى الله تعـالى ، بل وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عـليه وسلم حتى توفى رسول الله صلى الله عـليه وسلم وهو عـنه راض .
 وكما عـاش أبو عـبيدة مع الرسول صلى الله عـليه وسلم أميناً ، عـاش بعـد وفاة الرسول صلى الله عـليه وسلم أميناً ولقد كان - رضى الله عـنه ، من القادة الذين يستشيرون رجالهم فى كل خطوة يخطونها ، وعـندما تحشد الروم لاستعـادة أرض الشام ، استشار أصحابه ، فأشار عـليه الأكثرية بقبول الحصار فى ( حمص ) أما خالد فأشار عـليه بالهجوم عـلى جموع الروم ، ولكن أبا عـبيدة أخذ برأى الأكثرية .
 وكان - رضى الله عـنه ، مهيباً ، مؤثراً فى نفوس رجاله حين كان يتجول فى معـسكراتهم وهو يقول : ( ألا رب مبيض لثيابه وهو مدنس للدينه ، ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين غـداً ، ادفعـوا السيئات القديمات بالحسنات الحادثات ) .
 وعـن زيد بن أسلم ، عـن أبيه قال : بلغ عـمر أن أبا عـبيدة حصر بالشام ، ونال منه العـدو ، فكتب إليه عـمر : أما بعـد ، فإنه ما نزل بعـبد مؤمن شدة ، إلا جعـل الله بعـدها فرجاً ، وإنه لا يغـلب عـسر يسرين ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ) .
 قال : فكتب إليه أبو عـبيدة : أما بعـد ، فإن الله يقول ( اعـلموا أنما الحياة الدنيا لعـب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر فى الأموال والأولاد كمثل غـيث أعـجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفى الآخرة عـذاب شديد ومغـفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلامتاع الغـرور ) ، قال : فخرج عـمر بكتابه ، فقرأه عـلى المنبر فقال : يا أهل المدينة ، إنما يعـرض بكم أبو عـبيدة أو بى ، ارغـبوا فى الجهاد .

 جهاده فى ( فحل ) وفتحها :

 لقد كانت لأبى عـبيدة فكرة سوقية - استراتيجية ، ممتازة ، فقد بعـث بعـض القوات لمشاغـلة قوات الروم فى ( فحل ) بينما حاصر هو دمشق حتى فتحها ، ثم قصد ( فحل ) بقواته كلها ، ولولا ذلك لكان من المحتمل أن تتعـاون القوتان المعـاديتان فى ( فحل ) و ( دمشق ) عـلى مقاومة المسلمين فى وقت واحد وفى مكان واحد .
 كما أرسل خالداً عـلى رأس جيش ، لضرب الجيش الرومى الذى كان متوجهاً إلى دمشق ، مما أدى إلى فشل هذا الجيش فى مهمته ، لأنه أصبح يقاتل فى جبهتين فى آن واحد ، من الأمام يقاتل جيش يزيد بن أبى سفيان ، ومن الخلف يقاتل جيش خالد بن الوليد .

 جهاده فى ( اللاذقية ) وفتحها :

 ولله در القائد المكيث الذى يباغـت قوات عـدوه ، وسلوا ( اللاذقية ) تجبكم ، فقد سار أبو عـبيدة إلى ( اللاذقية ) وكان لها باب عـظيم لا يمكن فتحه ، إلا بجماعـة كبيرة من الناس ، فعـسكر المسلمون عـلى بعـد منها ، ثم أمر فحفرت حفائر عـظيمة ، تستر الحفرة منها الفارس راكباً ثم أظهر المسلمون أنهم عـائدون عـنها ورحلوا ، فلما أظلم الليل عـادوا واستتروا فى تلك الحفائر ، وأصبح أهل اللاذقية وهم يرون أن المسلمين قد انصرفوا عـنهم ، فأخرجوا سرحهم وانتشروا بظاهر البلد ، فلم يرعـهم إلا والمسلمون يصيحون بهم ، ودخلوا معـهم المدينة ، ففتحوها عـنوة .

 أمين الأمة والدعـوة إلى الله :

 قام أبو عـبيدة بن الجراح - رضى الله عـنه ، بدعـوة الروميين إلى الإسلام قبل بدء القتال معـهم ، فقد ذهب بنفسه ، ومعـه يزيد بن أبى سفيان وضرار بن الأزور والحارث بن هشام وأبو جندل بن سهيل - رضى الله عـنهم ، إلى القائد الرومى أخى الملك ( تذراق ) ودعـوه إلى الله عـز وجل ، وان ذلك قبل معـركة اليرموك .
 كما دعـا أبو عـبيدة - رضى الله عـنه ، الرسول الرومى الذى وفد إليه من قبل ماهان وزير ملك الروم ، طالباً منه إرسال خالد بن الوليد - رضى الله عـنه ، إلى ماهان كى يتفاهم معـه ، وشرح الله صدره للإسلام ، فاستجاب لدعـوة أبى عـبيدة - رضى الله عـنه ، وصاح : ( اشهدوا عـلى بأجمعـكم ، أنى من المسلمين ) ففرح المسلمون بإسلامه وصافحوه ، ودعـوا له بخير ، وقالوا له ( ما أعـزك عـلينا ، وأرغـبنا فيك ، وأكرمك عـلينا ، وما أنت عـند كل امرئ منا إلا بمنزلة أخيه لأمه وأبيه ) قال الرومى : ( فإنكم نعـم ما رأيت ) وكان هذا قبل معـركة فحل .

 تجرد وإنصاف ونجاح باهر :

 ولقد كانت معـارك التطهير ، واستثمار فوز اليرموك أكبر المعـارك التى أظهرت مقدرة أبى عـبيدة الفذة ( فقد فضل أبو عـبيدة التخلى عـن القيادة العـامة فى معـركة اليرموك الحاسمة لخالد بن الوليد ، ولكن أبا عـبيدة عـاد إلى تولى القيادة العـامة بعـد اليرموك ، فخاض معـارك التطهير بنجاح باهر يكاد يعـتبر معـجزة عـسكرية ، إذا أدخلنا فى حسابنا تفوق الروم الساحق عـلى المسلمين ، وسرعـة إنجاز الفتح ، وقلة الخسائر بالأرواح التى ضحى بها المسلمون من أجل فتح البلاد كلها .
 لله در أبى عـبيدة من قاهر الروم وما أدرك ما الروم ، بنو الأصفر حد حديد وركن شديد .

 ومسك الختام فلسطين ( إيلياء ) المقدس :

 ومسك الختام فلسطين ( إيلياء ) بيت المقدس ، حاصرها حتى طلب أهلها من أبى عـبيدة أن يصالحهم عـلى مثل ما صالح عـليه أهل الشام ، وأن يكون المتولى لعـقد الصلح عـمر بن الخطاب ، فكتب أبو عـبيدة إلى عـمر بذلك ، فقدم عـمر وفتح بيت المقدس .

 غـيرتنا الدنيا كلنا غـيرك يا أبا عـبيدة :

 وها هو عـبيدة - رضى الله عـنه ، لا تستطيع الدنيا أن تصل إلى قلبه بحال من الأحوال ، فهو إن كان يعـيش عـلى الدنيا بجسده إلا أن روحه تسرح فى جنة الرحمن فهو لا يريد سواها .
 يرسل إليه عـمر بن الخطاب بأربعـة آلاف درهم وأربعـمائة دينار ، وقال لرسول : ( انظر ما يصنع ) فقسمها أبو عـبيدة فلما أخبر عـمر رسوله بما صنع أبو عـبيدة بالمال قال : ( الحمد لله الذى جعـل فى الإسلام من يصنع هذا ) .
 ولما قدم عـمر الشام ، تلقاه أمراء الأجناد وعـظماء أهل الأرض ، فقال عـمر : ( أين أخى ) فقالوا : من ؟ قال : ( أبو عـبيدة ) قالوا : يأتيك الآن ، فجاء عـلى ناقة مخطومة بحبل ، فسلم عـليه ، فقال عـمر للناس : ( انصرفوا عـنا ) وسار مع أبى عـبيدة حتى منزله ، فقال أبو عـبيدة : ( يا أمير المؤمنين ، إن هذا سيبلغـنا المقيل ) .
 وفى رواية أن عـمر قال : ( اذهب بنا إلى منزلك يا  أبا عـبيدة ) فقال له : ( وما تصنع عـندى يا أمير المؤمنين ؟ ما تريد إلا أن تعـصر عـينيك عـلى ) ودخل عـمر فلم ير فى البيت شيئاً ، فقال : أين متاعـك ؟ لا أرى لبداً وصفحة ، وشنا ، وأنت أمير ، أعـندك طعـام ، فقام أبو عـبيدة إلى جونه فأخذ منها كسيرات ، فبكى عـمر ، فقال له أبو عـبيدة : قلت لك : إنك ستعـصر عـينيك عـلى يا أمير المؤمنين ، يكفيك من الزاد ما بلغـك المحل .

 إيثار يفوق الخيال :

 روى مالك الدار قال : إن عـمر بن الخطاب - رضى الله عـنه ، أخذ أربعـمائة دينار فجعـلها فى صرة ، فقال للغـلام : اذهب بها إلى أبى عـبيدة ثم تله ساعـة فى البيت حتى تنظر ما يصنع .
 قال : فذهب بها الغـلام فقال : يقول لك أمير المؤمنين اجعـل هذه فى بعـض حاجتك .
 قال : وصله الله ورحمه ثم قال : تعـالى يا جارية : اذهبى بهذه السبعـة إلى فلان ، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها .
 فرجع الغـلام إلى عـمر وأخبره ، فوجده قد أعـد مثلها لمعـاذ بن جبل ، فقال : اذهب بها إلى معـاذ بن جبل ، وتله فى البيت ساعـة ، حتى تنظر ما يصنع .
 فذهب بها إليه فقال : يقول لك أمير المؤمنين اجعـل هذه فى بعـض حاجتك ، فقال : رحمه الله ووصله : تعـالى يا جارية اذهبى إلى بيت فلان بكذا ، واذهبى إلى بيت فلان بكذا ، فاطلعـت امرأة معـاذ ، فقالت : نحن والله مساكين فأعـطنا ، ولم يتبق فى الخرقة إلا ديناران فدحا بهما إليها فرجع الغـلام إلى عـمر فأخبره بذلك ، فسر بذلك وقال : إنهم إخوة بعـضهم من بعـض .

 وحان وقت الرحيل :

 عـن الحارث بن عـميرة قال : أخذ بيدى معـاذ بن جبل فأرسله إلى أبى عـبيدة فسأله كيف هو ، وقد طعـنا ، فأراه أبو عـبيدة طعـنة خرجت فى كفه ، فتكاثر شأنها فى نفس الحارث ، وفرق منها - خاف منها حين رآها ، فأقسم أبو عـبيدة بالله ما يحب أن له مكانها حمر النعـم .
 وعـن قيس بن مسلم ، عـن طارق أن عـمر كتب إلى أبى عـبيدة فى الطاعـون : إنه قد عـرضت لى حاجة ولا غـنى بى عـنك فيها فعـجل إلى ، فلما قرأ الكتاب قال : عـرفت حاجة أمير المؤمنين ن إنه يريد أن يستبقى ما ليس بباق ، فكتب : إنى قد عـرفت حاجتك فحللنى من عـزيمتك ، فإنى فى جند من أجناد المسلمين لا أرغـب بنفسى عـنهم ، فلما قرأ عـمر الكتاب بكى ، فقيل له : مات أبو عـبيدة ؟ قال : لا ، وكأن قد ؟
 قال : فتوفى أبو عـبيدة وانكشف الطاعـون .
 وذات يوم ، وأمير المؤمنين عـمر الفاروق يعـالج فى المدينة شئون عـالمه المسلم الواسع ، جاءه الناعـى أن قد مات أبو عـبيدة .
 وأسبل الفاروق جفنيه عـلى عـينين غـصتا بالدموع ، وغـاض الدمع ، ففتح عـينيه فى استسلام وترحم عـلى صاحبه واستعـاد ذكرياته معـه - رضى الله عـنه ، فى حنان صابر .

  أمنية عـمرية :

 وها هو عـمر بن الخطاب - رضى الله عـنه ، يتمنى تلك الأمنية الغـالية وقد امتلأ قلبه حزناً عـلى فراق إخوانه وأحبابه فقال يوماً لمن حوله : تمنوا ، فقال بعـضهم : أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهباً فأنفقه فى سبيل الله ثم قال : تمنوا ، فقال رجل : أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤاً أو زبرجداً أو جوهراً ، فأنفقه فى سبيل الله وأتصدق ، ثم قال عـمر : تمنوا ، فقالوا : ما ندرى يا أمير المؤمنين ، قال عـمر : أتمنى ، لو أنها مملوءة رجالاً مثل أبى عـبيدة بن الجراح ، ومعـاذ بن جبل وسالم مولى أبى حذيفة وحذيفة بن اليمان .
 ومات أمين الأمة فوق الأرض التى طهرها من وثنية الفرس ، واضطهاد الرومان .
 وهناك اليوم تحت ثرى الأردن يثوى رفات نبيل ن كان مستقراً لروح خير ، ونفس مطمئنة .
 وسواء عـليه وعـليك أن يكون قبره اليوم معـروفاً أو غـير معـروف .
 فإنك إذا أردت أن تبلغـه لن تكون بحاجة إلى من يقودك إليه .
 ذلك أن عـبير رفاته سيدلك عـليه .