علي بن أبي طالب

 

إنه عـلى بن أبى طالب رضى الله عـنه ، إنه البطل بل حيدرة الأبطال الذى عـاش لله بقلبه وجوارحه .

أنه التقى الذى تربى فى حقل الإسلام وسقى بماء الوحى ، فكان زهرة يانعـة طاب ريحها وملأ أرجاء الكون كله وما زلنا نشم عـطر سيرته حتى يومنا هذا ، وسيظل هذا العـبير ينشر عـطره عـبر العـصور والأزمان عـلى أرجاء الكون ليعـلم الكون كله  كيف استطاع الحبيب صلى الله عـليه وسلم أن يربى أصحابه ليكونوا نجوماً فى سماء الدنيا تضئ للناس طريقهم إلى الله .

وكيف لا وهو الذى رباه الخالق جل جلاله ليربى به الأمم والأجيال عـبر العـصور والأزمان .

إنه وهو فى السادسة من عـمره بدأ يعـيش مع ( محمد ) الصادق الأمين ، يتأدب عـلى يديه ، ويتأثر بطهره ، وعـظمة نفسه ، وتقى ضميره وسلوكه وحين بلغ العـاشرة كان الوحى قد أمر الرسول بالدعـوة وكان هو سابق المسلمين .

وسارت حياته من ذلك اليوم إلى أن يجئ اليوم الذى سيلقى فيه ربه تطبيقاً كاملاً وأميناً لمنهج الرسول وتعـاليم القرآن .

ألا بوركت هذه الحياة ، حياة لم تكن لها صبوة ولا شهوة ولا هفوة ، حياة ولد صاحبها وتبعـات الرجال فوق كاهله حتى لهو 

الأطفال لم يكن لحياة ( عـلى بن أبى طالب ) فيه حظ ولا نصيب ، فلا مزامير البادية ولا أغـانى السمار ، شبع منها سمع الطفل ووجدان الشاب لكان المقادير كانت تدخر سمعـه ووجدانه لكلمات أخرى ستغـير وجه الأرض ووجه الحياة .

أجل لقد ادخر سمع الفتى وقلبه ، ليتلقى بهما كما لم يتلق أحد مثله آيات الله العـلى الكبير .

لقد كان يسمع القرآن غـضاً طرياً من فم الصادق المصدوق صلى الله عـليه وسلم .

وفى نور هذه الآيات المنزلة والتى كان الوحى يجئ بها تباعـاً قضى ( عـلى بن أبى طالب ) بواكير حياته النضرة يبهره  نورها ويهزه هديرها .

يسمع آية الجنة يتلوها الرسول ، فكأنما الغـلام الرشيد يراها رأى العـين حتى ليكاد يبسط يمينه ليقطف من مباهجها

وأعـنابها .

ويسمع آية النار فيرتعـد كالعـصفور دهمه إعـصار ولولا جلال الصلاة وحرمتها لولى هاربا من لفح النار الذى يحسه ويراه

وذكر بعـض أهل العـلم أن رسول الله صلى الله عـليه وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعـاب مكة ، وخرج معـه عـلى بن أبى طالب مستخفيا من أبيه أبى طالب ، ومن جميع أعـمامه وسائر قومه ، فيصليان الصوات فيها ، فإذا أمسيا  رجعـا ، فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا ، ثم إن أبا طالب عـثر عـليهما يوما وهما يصليان ، فقال لرسول الله صلى الله عـليه وسلم : يا بن أخى ما هذا الدين الذى أراك تدين به قال : ( أى عم هذا دين الله ، ودين ملائكته ودين رسله
ودين أبينا إبراهيم ) ، أو كما قال صلى الله عـليه وسلم ( بعـثنى الله به رسولاً إلى العـباد وأنت أى عـم ، أحق من
بذلت له النصيحة ، ودعـوته إلى الهدى ، وأحق من أجابنى إليه وأعـاننى عـليه ) فقال أبو طالب : أي ابن أخى لا
أستطيع أن أفارق دين آبائى وما كانوا عـليه ولكن والله لا يخلص إليك بشئ تكرهه ما بقيت .

وذكروا أنه قال لعـلى : أى بنى ، ما هذا الدين الذى أنت عـليه ، فقال : يا أبت ، آمنت بالله وبرسول الله وصدقته بما
جاء به وصليت معه لله ، واتبعـته ، فزعـموا أنه قال له : أما إنه لم يدعـك إلا إلى خير ، فالزمه .

ولما كانت حياته فى بيت النبى صلى الله عـليه وسلم فإنه عـرف جميع أموره الداخلية ودرس أحواله وأخلاقه عـن قرب
وشرب من مشربه وتربى عـلى أخلاقه صلى الله عـليه وسلم وعـاداته وتصرفاته فلبس ثياب الطهر فى صغـره ، وبعـد
عـن الأصنام وناصبها العـداء من بداية أمره وشغـل وخدمته والاستضاءة بنوره والشرب من منهله أكثر من غـيره
وكان مع ذلك قد أوتى ذاكرة واعـية وعـقلاً متفتحاً وذكاء نادراً وشجاعـة فذة وقوة لا مثيل لها عـند غـيره .

وكان قد اعـتاد أن يحيا حياة النبى صلى الله عـليه وسلم فى زهده وتقشفه وورعـه وخوفه من الله وصلابته فى الحق
وثباته عـليه والدعـوة إليه .

وكان عـنده من عـمر رضى الله عـنه ، عـزمه وحزمه وشدته فى الله وصلابته وسرعـة بته فى الأمور وانقضاضه
عـلى الباطل وأهله فى غـير مهادنة أو مداهنة .

ولم يكن عـلى رضى الله عـنه ، يعـرف مجاملة الناس فى سبيل نصرة الحق وإزهاق الباطل ، وليس عـنده استعـداد
أن يدير سياسة الرعـية حسبما تقتضى أصول السياسة بعـيداً عـن أصول الدين وفروعـة وما كان عـليه رسول الله
صلى الله عـليه وسلم والخليفتان من بعـده .

الأوسمة التى وضعـها الحبيب صلى الله عـليه وسلم عـلى صدره رضى الله عـنه :

عـن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عـليه وسلم كان عـلى حراء هو وأبو بكر وعـمر وعـثمان وعـلى وطلحة
والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول الله صلى الله عـليه وسلم : ( اهدأ فما عـليك إلا نبى أو صديق أو شهيد ) .

وعـن عـلى - رضى الله عـنه ، قال : بعـثنى رسول الله صلى الله عـليه وسلم إلى اليمن فقلت : يارسول الله إنك
تبعـثنى إلى قوم أسن منى لأقضى بينهم ، قال : اذهب فإن الله تعـالى سيثبت لسانك ويهدى قلبك .

وقال صلى الله عـليه وسلم : أبو بكر فى الجنة وعـمر فى الجنة وعـثمان فى الجنة وعـلى فى الجنة وطلحة فى الجنة
والزبير فى الجنة وعـبدالرحمن بن عـوف فى الجنة وسعـد بن أبى وقاص فى الجنة وسعيد بن زبد فى الجنة وأبو
عـبيد ابن الجراح فى الجنة .

وعـن حبشى بن جنادة السلولى وكان قد شهد حجة الوداع قال : قال رسول الله صلى الله عـليه وسلم ، عـلى منى وأنا
من عـلى ولا يؤدى عـنى إلا أنا أو عـلى .

وعـن عـلى رضى الله عـنه قال : لما توفى أبو طالب أتيت النبى صلى الله عـليه وسلم فقلت : إن عـمك الشيخ قد
مات قال : اذهب فواره ثم لا تحدث شيئا حتى تأتينى قال : فواريته ثم أتيته قال : اذهب فاغـتسل ثم لا تحدث شيئا حتى
تأتينى قال : فاغـتسلت ثم أتيته قال : فدعـا لى بدعـوات ما يسرنى أن لى بها حمر النعـم وسودها ، قال : وكان عـلى
رضى الله عـنه ، إذا غـسل ميتا اغـتسل .

وعـن زر قال : قال عـلى : والذى فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعـهد النبى الأمى صلى الله عـليه وسلم إلى ( أن لا
يحبنى إلا مؤمن ولا يبغـضنى إلا منافق ) .

وعـن ابن أبى ليلى قال : ( حدثنا عـلى أن فاطمة عـليها السلام شكت ما تلقى من أثر فوجدت الرحى ، فأتى النبى
صلى الله عـليه وسلم بسبى فانطلقت لتطلب منه من يخدمها من السبايا فلم تجده فوجدت عـائشة فأخبرتها فلما جاء
النبى صلى الله عـليه وسلم أخبرته عـائشة بمجئ فاطمة فجاء النبى صلى الله عـليه وسلم إلينا وقد أخذنا مضاجعـنا
فذهبت لأقوم فقال : عـلى مكانكما فقعـد بيننا حتى وجدت برد قدميه عـلى صدرى ، وقال : ألا أعـلمكما خيراً مما
سألتمانى ، إذا أخذتما مضاجعـكما تكبران أربعـاً وثلاثين وتسبحان ثلاثاً وثلاثين وتحمدان ثلاثاً وثلاثين فهو خير لكما
من خادم .

وعـن ابن أبى حازم أن رجلاً جاء إلى سهل بن سعـد فقال هذا فلان ، لأمير المدينة يدعـو عـليا عـند المنبر ، قال :
ماذا يقول : قال : يقول له : أبو تراب فضحك قال : والله ما سماه إلا النبى صلى الله عـليه وسلم وما كان له اسم أحب
إليه منه فاستطعـمت الحديث سهلاً وقلت : يا أبا عـباس كيف ذلك قال : دخل عـلى عـلى فاطمة ثم خرج فاضطجع فى
المسجد فقال النبى صلى الله عـليه وسلم أين ابن عـمك قالت : فى المسجد فخرج إليه فوجد رداءه قد سقط عـن ظهره
وخلص التراب إلى ظهره فجعـل يمسح التراب عـن ظهره ، فيقول : أجلس يا أبا تراب مرتين .

وعـن مصعـب بن سعـد عـن أبيه : أن رسول الله صلى الله عـليه وسلم خرج إلى تبوك واستخلف عـلياً فقال :
أتخلفنى فى الصبيان والنساء ، قال : ( ألا ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون إلا أنه ليس نبى بعـدى ) .

وعـن سعـد بن أبى وقاص قال : ( كنت جالساً فى المسجد أنا ورجلين معـى فنلنا من عـلى ، فأقبل رسول الله صلى
الله عـليه وسلم غـضبان يعـرف فى وجه الغـضب فتعـوذت بالله من غـضبه ، فقال مالكم ومالى ، من آذى عـلياً
فقد آذانى ) .

وعـن أبى بكر أن النبى صلى الله عـليه وسلم بعـثه ببراءة لأهل مكة لا يحج بعـد العـام مشترك ولا يطوف بالبيت
عـريان ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة من كان بينه وبين رسول الله صلى الله عـليه وسلم مدة فأجله إلى مدته والله
برئ من المشركين ورسوله ، قال : فسار بها ثلاثاً ثم قال لعـلى - رضى الله عـنه ، الحقه فرد عـلى أبا بكر وبلغـها
أنت قال : ففعـل قال : فلما قدم عـلى النبى صلى الله عـليه وسلم أبو بكر بكى .
قال : يارسول الله حدث فى شئ ، قال : ما حدث فيك إلا خير ، ولكن أمرت أن لا يبلغـه إلا أنا أو رجل منى .

وعـن البراء - رضى الله عـنه قال : لما اعـتمر النبى صلى الله عـليه وسلم فى ذى القعـدة فأبى أهل مكة أن يدعـوهي يدخل مكة حتى قاضاهم عـلى أن يقيم بها ثلاثة أيام فلما كتبوا الكتاب كتبوا : هذا ما قاضى عـليه محمد رسول الله ، قالوا :
لا نقر لك بهذا ن لو نعـلم أنك رسول الله ما منعـناك شيئاً ، ولكن أنت محمد بن عـبدالله فقال : أنا رسول الله وأنا محمد 
بن عـبدالله ، ثم قال لعـلى : امح رسول الله ، قال عـلى : لا والله لا أمحوك أبداً ، فأخذ رسول الله الكتاب وليس يحسن
يكتب ، فكتب : هذا ما قاضى محمد بن عـبدالله لا يدخل مكة السلاح إلا السف فى القراب وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن
أراد أن يتبعـه وأن لا يمنع من أصحابه أحداً إن أراد أن يقيم بها فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عـلياً فقالوا : قل لصاحبك
اخرج عـنا فقد مضى الأجل ، فخرج النبى صلى الله عـليه وسلم فتبعـته ابنة حمزة تنادى يا عـم ياعـم ، فتناولها عـلى
     وزيد وجعـفر ، قال عـلى : أنا أخذتها وهى بنت عـمى ، وقال جعـفر : ابنة عـمك وخالتها تحتى ، وقال زيد : ابنة أخى
فقضى بها النبى صلى الله عـليه وسلم لخالتها وقال : الخالة بمنزلة الأم ، وقال لعـلى : أنت منى وأنا منك وقال لجعـفر :
أشبهت خلقى وخلقى ، وقال لزيد : أنت أخونا ومولانا ، وقال عـلى : ألا تتزوج بنت حمزة ، قال : إنها ابنة أخى من
الرضاعـة .

ثلاثة أغـلى من الدنيا وما فيها :

عـن سعـد بن أبى وقاص قال : أمر معـاوية بن أبى سفيان سعـداً فقال : ما منعـك أن تسب أبا التراب ، فقال : أما
ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله صلى الله عـليه وسلم فلن أسبه لأن تكون لى واحدة منهن أحب إلى من حمر النعـم
سمعـت رسول الله صلى الله عـليه وسلم يقول له خلفه فى بعـض مغـازيه فقال له عـلى : يا رسول الله خلفتنى مع
النساء والصبيان ، فقال له رسول الله صلى الله عـليه وسلم ( أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا
نبوة بعـدى ) وسمعـته يقول يوم خيبر ( لأعـطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ) قال : فتطاولنا لها
فقال : ( ادعـوا لى عـليا ) فأتى به أرمد فبصق فى عـينه ودفع الراية إليه ففتح الله عـليه ) .

نام عـلى فراش النبى صلى الله عـليه وسلم ، ليفديه فأسعـد الله فراشه بفاطمة لترضيه :

ذكر ابن كثير فى البداية والنهاية اجتماع شياطين قريش فى دار الندوة فى يوم الزحمة وحكى ما كان بينهم وبين إبليس الذى
تبدى لهم فى صورة الشيخ النجدى ، وأستقر رأيهم عـلى ما قاله أبو جهل بن هشام .

 أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فينا ، ثم نعـطى كل فتى منهم سيفا صارما ، ثم يعـمدوا إليه
 فيضربوه بها ضربة رجل واحد ، فيقتلوه فنستريح منه ، فإنهم إن فعـلوا ذلك تفرق دمه فى القبائل جميعـها فلم يقدر بنو  عـبد مناف عـلى حرب قومهم جميعـا ، فرضوا منا بالعـقل ، الدية ، فعـقلناه لهم .

فتفرق القوم عـلى ذلك وهم مجمعـون له ، فأتى جبرائيل رسول الله صلى الله عـليه وسلم فقال له : لا تبت هذه الليلة
عـلى فراشك الذى كنت تبيت عـليه .
قال : فلما كانت عـتمة من الليل اجتمعـوا عـلى بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عـليه فلما رأى رسول الله صلى الله
عـليه وسلم مكانهم قال لعـلى بن أبى طالب ( نم عـلى فراشى وتسبج ببردى هذا الحضرمى الأخضر ، فنم فيه فإنه لن
يخلص إليك شئ تكرهه منهم ) وكان رسول الله صلى الله عـليه وسلم ينام فى برده ذلك إذ ينام .

 ثم خرج رسول الله صلى الله عـليه وسلم وهو يتلو هذه الأيات ( يس والقرآن الحكيم ) إلى قوله ( وجعـلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغـشيناهم فهم لا يبصرون ) .
 ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع عـلى رأسه تراباً ، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب ، فأتاهم آت ممن لم يكن معـهم فقال : ما تنتظرون هاهنا ؟ قالوا : محمداً ، قال : خيبكم الله ، قد والله ن خرج عـليكم محمد ، ثم ترك منكم رجلاً إلا وقد وضع عـلى رأسه تراباً ، وانطلق لحاجته ، أفما ترون ما بكم ؟ قال : فوضع كل رجل منهم يدا عـلى رأسه ، فإذا عـليه تراب ، ثم جعـلوا يتطلعـون ، فيرون عـليا عـلى الفراش متسجياً ببرد رسول الله صلى الله عـليه وسلم فيقولون : والله إن هذا لمحمد نائما عـلى برده فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا ، فقام ( عـلى ) عـن الفراش ، فقالوا : والله ، لقد صدقنا الذى كان حدثنا .

 حمى المغـوار حيدرة الدعـوة فى شخص نبيها صلى الله عـليه وسلم ونام فى فراشه فى أصعـب ليلة مرت بها الدعـوة ، رجل ينام فى الفراش وهو يعـلم أن عـلى الباب رجالاً لا يريدون إلا رأس النائم عـلى الفراش ، فلما قلق به الفراش ليلة من أجل نبيه ، أسعـد الله فراشة بفاطمة بنت نبيه صلى الله عـليه وسلم التى تجلببت فى جلباب كمالها وأعـطاء الرسول صلى الله عـليه وسلم الأهل والمرحب وأصدقه درعـه الحطمية ، فأهديت إليه ومعـها خميلة ومرفقة من أدم ، جلد حشوها ليف وقربة ومنخل وقدح ورحى وجرابان ودخلت عـليه وما لها فراش غـير جلد كبش ينامان عـليه بالليل وتعـلف عـليه الناضح بالنهار وكانت هى خادمة نفسها تالله ما ضرها ذلك .

 وفى الصحيحين : أن رسول الله صلى الله عـليه وسلم قال لها ( ألا ترضين أن تكونى سيدة نساء هذه الأمة أو نساء المؤمنين ) .
 وفى الصحيحين عـن المسور بن مخرمة أن رسول الله صلى الله عـليه وسلم قال : ( فاطمة بضعـة منى فمن أغـضبها أغـطبنى ) .
 وعـن أنس ، رضى الله عـنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عـليه وسلم ( إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة : عـلى وعـمار وسلمان ) ونعـم الجزاء .

 صفحات مشرقة من جهاده فى سبيل الله :

  وها هو ، رضى الله عـنه ، يسطر عـلى جبين التاريخ بسطور من النور ، صفحات مشرقة من جهاده فى سبيل الله تعـالى فهو يبحث عـن الشهادة ويشتاق إليها اشتياق من يبحث عـن الماء البارد فى صحراء موحشة .

  جهاده فى يوم بدر :

  عـن عـبدالله ابن مسعـود قال : كنا يوم بدر ثلاثة عـلى بعـير ، كان أبو لبابة وعـلى بن أبى طالب زميلى رسول الله صلى الله عـليه وسلم قال : وكانت عـقبة رسول الله صلى الله عـليه وسلم ، دوره فى المشى ، قال : فقالا : نحن نمشى عـنك فقال : ما أنتما بأقوى منى ولا أنا بأغـنى عـن الأجر منكما .

 وفى أرض الشرف والجهاد حيث تصمت الألسنة وتنطق السيوف فوق هامات الرؤوس ، كان لبطلنا هذا الموقف العـظيم .

 عـن عـلى قال : يعـنى عـتبة بن ربيعـة وتبعـه ابنه وأخوه فنادى : من يبارز ؟ فانتدب له شباب من الأنصار فقال : من أنتم ؟ فأخبروه فقال : لا حاجة لنا فيكم إنما أردنا بنى عـمنا فقال رسول الله صلى الله عـليه وسلم : ( قم يا حمزة قم يا عـلى ثم يا عـبيد بن الحارث ) فأقبل حمزة إلى عـتبة وأقبلت إلى شيبة واختلف بين عـبيدة والوليد ضربتان فأثخن كل واحد منهما صاحبه ثم ملنا عـلى الوليد فقتلناه واحتملنا عـبيده .

 وعـن قيس بن عـباد عـن عـلى بن أبى طالب ، رضى الله عـنه قال : ( أنا أول من يجثو بين يدى الرحمن للخصومة يوم القيامة ) وقال قيس بن عـباد وفيهم أنزلت ( هذان خصمان اختصموا فى ربهم ) قال : ( هم الذين تبارزوا يوم بدر حمزة وعـلى وعـبيدة أو أبو عـبيدة بن الحارث وشيبه بن ربيعـة وعـتبة بن ربيعـة والوليد بن عـتبة ) .

  جهاد فى يوم الخندق :

  وفى غـزوة الخندق كان له هذا الموقف العـظيم مع فارس قريش ( عـمرو بن عـبد ود ) كان عـمرو بن عـبد ود العـامرى ( كبش الكتيبة ) قد حضر معـركة بدر الكبرى ، وذاق مرارة الهزيمة بعـد أن جرح فى المعـركة ، فنذر أن لا يمس رأسه دهناً حتى يقتل محمداً ، ولهذا كان أول الفرسان المقتحمين بخيلهم الخندق نحو المسلمين ، ومعـه فوارس من قريش ، وخرج عـلى بن أبى طالب فى نفر معـه من المسلمين ، حتى أخذوا عـليهم الثغـرة التى أقحموا منها خيلهم ، وأقبلت الفرسان تعـنق ، تسرع نحوهم .

 قال ابن إسحاق : ( كان عـمرو بن عـبد ود العـامرى ( وهو كبش الكتيبة ) قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد أحداً ، فلما كان يوم الخندق خرج معـلما ليرى مكانه ، فلما وقف هو وخيله قال : من يبارز ؟ فبرز إليه عـلى بن أبى طالب ) .

 وعـند البيهقى فى ( دلائل النبوة ) ( خرج عـمرو بن عـبد ود وهو مقنع بالحديد فنادى : من يبارز ؟ فقام عـلى بن أبى طالب فقال : أنا لها يا نبى الله فقال : ( إنه عـمرو اجلس ) ، ثم نادى عـمرو : ألا رجل يبرز ؟ فجعـل يؤنبهم ويقول : أين جنتكم التى تزعـمون أنه من قتل منكم دخلها ، أفلاتبرزون إلى رجلا ؟ فقام عـلى فقال : أنا يا رسول الله ، فقال : ( اجلس ) ثم نادى الثالثة فقال :

  ولقد بححت من النداء        لجمعـهم هل من مبارز

 ووقفت إذ جبن المشجع          موقف القرن المناجز

ولذاك إنى لم أزل          متسرعـا قبل الهزاهز

إن الشجاعـة فى الفتى     والجود من خير الغـرائز

  قال : فقام عـلى رضى الله عـنه ، فقال : يا رسول الله أنا ، فقال : ( إنه عـمرو ) فقال : وإن كان عـمراً فأذن له رسول الله صلى الله عـليه وسلم ، فمشى إليه حتى أتى وهو يقول :

 لا تعـجلن فقد أتاك      مجيب صوتك غـير عـاجز

فى نية وبصيرة          والصدق منجى كل فائز

 إنى لأرجو أن أقيــ     ــم عـليك نائحة الجنائز

 من ضربة نجلاء يبـــ    ـقى ذكرها عـند الهزاهز

  ولما مشى عـلى إلى عـمرو ليبارزه قال له : يا عـمرو ، إنك كنت تقول : لا يدعـونى أحد إلى واحدة من ثلاثة إلا قبلتها قال له : أجل : فقال له : إنى أدعـوك أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتسلم لرب العـالمين ، فقال عـمرو : يا ابن أخى ، أخر عـنى هذه ، قال عـلى : وأخرى : ترجع إلى بلادك فإن محمد رسول الله صادقا كنت أسعـد الناس به ، وإن يك كاذبا كان الذى تريد ، فقال عـمرو : هذا ما لا تتحدث به نساء قريش أبد ، كيف وقد قدرت عـلى استيفاء ما نذرت ؟ ثم قال عـمرو : فالثالثة ما هى ؟ فقال عـلى : البراز ، فضحك فارس قريش عـمرو ، وكان فارسا مشهورا معـمرا قد جاوز الثمانين ، ثم قال لعـلى : إن هذه الخصلة ما كنت أظن أحداً من العـرب يروعـنى بها ، ثم قال لعـلى : من أنت ؟ قال له : أنا عـلى ، قال : ابن عـبد مناف ؟ فقال عـلى : أنا عـلى بن أبى طالب ، فقال عـمرو : يا ابن أخى من أعـمامك من هو أسن منك ، فوالله ما أحب أن أقتلك ، فقال عـلى : ولكنى والله أحب أن أقتلك ، فـعـند ذلك غـضب عـمرو غـضبا شديدا ونزل فسل سيفه كأنه شعـلة نار ثم أقبل نحو عـلى مغـضبا واستقبله عـلى بدرقته فضربه عـمرو فى درقته فقدها ، وأثبت السيف فيها وأصاب رأسه فشجه وضربه ( عـلى ) عـلى حبل عـاتقه فسقط وثار العـجاج وسمع رسول الله صلى الله عـليه وسلم التكبير ، فعـرف الناس أن عـليا قد قتل عـمرا فثم يقول عـلى :

   أعـلى تقتحم الفوارس هكذا    عـنى وعـنهم أخروا أصحابى

  اليوم يمنعـنى الفرار حفيظتى   ومصمم فى الرأس ليس بنابى

 وألقى عـكرمه رمحه يومئذ وهو منهزم عـن عـمرو ، فقال حسان بن ثابت :

   فر وألقى لنا رمحه           لعـلك عـكرم لم تفعـل

   ووليت تعـدو كعـدو الظليـ       ـم ما أن يحور عـن المعـدل

  ولم تلو ظهرك مستأنسا          كأن قفاك قفا فرعـل

 قال عـمر بن الخطاب : هلا استلبت درعـه ، فإنه ليس للعـرب درع خير منها فقال :

 ضربته فأتقانى بسوءته فاستحييت ، ابن عـمى أن أسلبه وبعـث المشركون إلى رسول الله صلى الله عـليه وسلم ، يشترون جيفته بعـشرة آلاف ، فقال : ( ادفعـوا إليهم جيفته فإنه خبيث الجيفة ، خبيث الدية ) فلم يقبل منهم شيئا .

  صاحب الراية الذى يفتح الله عـلى يديه ( يوم خيبر ) :

  وها هو رضى الله عـنه ، فى يوم خيبر يشهد له النبى صلى الله عـليه وسلم بأنه يحب الله ورسوله صلى الله عـليه وسلم ويحبه الله ورسوله صلى الله عـليه وسلم وبأن الله سيفتح عـلى يديه .

 عـن سهل بن سعـد رضى الله عـنه ، أن رسول الله صلى الله عـليه وسلم قال يوم خيبر : ( لأعـطين هذه الراية غـدا رجلا يفتح الله عـلى يديه ، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ) قال : فبات الناس ليلتهم أيهم يعـطاها ؟ فلما أصبح الناس غـدوا عـلى رسول الله صلى الله عـليه وسلم كلهم يرجو أن يعـطاها ، فقال : ( أين عـلى بن أبى طالب ؟ ) فقيل: هو يا رسول الله يشتكى عينيه قال : فأرسلوا إليه فأتى به ، فبصق رسول الله صلى الله عـليه وسلم فى عـينيه ودعـا له فبرأ حتى كأنه لم يكن به وجع ، فأعـطاه الراية ، فقال عـلى : يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونا مثلنا ؟ فقال : ( انفذ عـلى رسلك حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعـهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عـليهم من حق الله فيه ، فوالله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعـم ) .

  وعـن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عـليه وسلم قال يوم خيبر ( لأعـطين هذا الراية رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله عـلى يديه ) قال عـمر بن الخطاب : ما أحببت الإمارة إلا يومئذ ، قال : فتساورت لها رجاء أن أدعـى لها ، قال : فدعـا رسول الله صلى الله عـليه وسلم عـلى بن أبى طالب فأعـطاه إياها وقال : ( امش ولا تلتفت ، حتى يفتح الله عـليك ) فسار ( عـلى ) شيئا ثم وقف ولم يلتفت ، فصرخ : يا رسول الله عـلى ماذا أقاتل الناس ؟ قال : ( قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فإذا فعـلوا ذلك فقد منعـوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم عـلى الله ) .

 وعـند البخارى عـن سلمة ، قال : ( كان عـلى قد تخلف عـن النبى صلى الله عـليه وسلم فى خيبر وكان به رمد ، فقال  أنا أتخلف عـن رسول الله صلى الله عـليه وسلم ، فخرج عـلى فلحق بالنبى صلى الله عـليه وسلم ، فلما كان مساء الليلة التى فتحها الله فى صباحها ، قال رسول الله صلى الله عـليه وسلم ( لأعـطين الراية ، أو ليأخذن الراية غـدا رجلا يحبه الله ورسوله أو قال : يحب الله ورسوله يفتح الله عـليه ) فإذا نحن بعـلى ، وما نرجوه ، فقالوا : هذا عـلى فأعـطاه رسول الله صلى الله عـليه وسلم الراية ففتح الله عـليه ) .

 وعـن أبى سعـيد الخدرى ، قال : إن رسول الله صلى الله عـليه وسلم أخذ الراية فهزها ، ثم قال : ( من يأخذها بحقها ) فجاء فلان فقال : أنا ، قال : أمط ، ثم جاء رجل فقال : أمط ثم قال النبى صلى الله عـليه وسلم ( والذى كرم وجه محمد لأعـطينها رجلا لا يفر ، هاك يا عـلى ) فانطلق حتى فتح الله عـليه خيبر وفدك وجاء بعـجوتهما وقديدهما ) .

 وفى حديث سلمة بن الأكوع عـند مسلم ( ثم أرسلنى رسول الله صلى الله عـليه وسلم إلى عـلى وهو أرمد ، فقال : ( لأعـطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ، أو يحبه الله ورسوله ) قال : فأتيت عـليا فجئت به أقوده وهو أرمد ، حتى أتيت به رسول الله صلى الله عـليه وسلم ، فبصق فى عـينيه فبرأ وأعـطاه الراية وخرج ( مرحب ) فقال :

  قد عـلمت خيبر أنى مرحب   شاكى السلاح بطل مجرب

 إذا الحروب أقبلت تلهب .

 فقال عـلى :

  أنا الذى سمتنى أمى حيدرة    كليث غـابات كريه المنظره

  أوفيهم بالصاع كيل السندره .

  قال : فضرب رأس ( مرحب ) فقتله وكان الفتح عـلى يديه .

  مرحب هذا : فارس فرسان اليهود وكان مكتوبا عـلى سيفه بالعـبرية :

  هذا سيف مرحب   من يذقه يعـطب .

  فضربه عـلى فقد الحجر والمغـفر ورأسه ووقع السيف فى الأضراس .

 وقبله قتل ( عـلى ) أخا مرحب ، وهو حارث ، وبارز عـلى قائدا يهوديا بعـد مبارزة الزبير لياسر وكان هذا القائد الفارس يسمى عـامرا فقتله عـلى أمام الحصن ، قال رسول الله صلى الله عـليه وسلم حين طلع عـامر : ( ترونه خمسة أذرع ) وكان طويلا جسيما ، فلما دعـا للبراز وخطر بسيفه وعـليه درعـان ، وهو مقنع فى الحديد يصيح : من يبارز ، فاحجم الناس عـنه فبرز إليه ( عـلى ) فضربه ضربات كل ذلك لا يصنع شيئا حتى ضرب ساقيه فبرك ثم ذفف عـليه فأخذ سلاحه .

 وفتح الله عـلى يديه حصن ( ناعـم ) وهو من أقوى حصون حيبر .

 وعـاش رضى الله عـنه ، ملازما للحبيب صلى الله عـليه وسلم يقتبس من عـلمه وزهده وأخلاقه الرفيعـة إلى أن توفى الحبيب صلى الله عـليه وسلم وحزن عـليه حزنا كاد أن يمزق قلبه ، فلقد فقد حبيبه ورسوله الذى لطالما احتضنه وأغـدق عـليه الكثير والكثير من رحمته وعـطفه وعـلمه ، بل وأعـطاه قرة عـينه وثمرة فؤاده ( فاطمة ) رضى الله عـنها .

 وبعـد وفاة النبى صلى الله عـليه وسلم ظل ( عـلى ) ملازما لخليفته الراشد ( أبى بكر ) رضى الله عـنه ، وكان أبو بكر يعـرف قدره ومنزلته ويشاوره فى عـظائم الأمور ، ولطالما كان يسعـى إليه ويقول ( أفتنا يا أبا الحسن ) .

 ولما توفى أبو بكر رضى الله عـنه ، وأصبح عـمر رضى الله عـنه ، أمير للمؤمنين ، كان يعـرف أيضا ( لعـلى ) قدره ومنزلته ، ولطالما كان يستنجد بفقهه وبذكائه وبصيرته ويقول ( لولا عـلى لهلك عـمر ) .

 ولما قتل ( عـمر ) شهيداً وتولى عـثمان شئون الأمة المسلمة وأصبح أميراً للمؤمنين كان يستشير ( عـلياً ) ويستنصحه ويستعـين به إلى أن قتل عـثمان رضى الله عـنه ، وفتحت أبواب الفتن عـلى مصراعـيها وتولى ( عـلى ) الخلافة عـلى الرغـم من أنه كان لا يريدها بحال من الأحوال .

 وحدثت الفتنة بينه وبين معـاوية رضى الله عـنهما :

 قال الحافظ ابن كثير رحمه الله : إن ما كان بين معـاوية وبين عـلى بعـد مقتل عـثمان عـلى سبيل الاجتهاد والرأى فجرى بينهما قتال عـظيم ، وكان الحق والصواب مع ( عـلى ) ومعـاوية معـذور عـند جمهور العـلماء سلفا وخلفا وقد شهدت الأحاديث الصحيحة بالإسلام للفريقين .

 ونحن عـلى يقين من أن الصحابة كلهم عـدول وأنهم ما كانوا يطمعـون فى حطام الدنيا وإنما أرادوا جميعـا وجه الله ونصرة دين الله جل وعـلا ، فرضى الله عـنهم جميعـا وجمعـنا وإياهم فى جنته ومستقر رحمته إخوانا عـلى سرر متقابلين .

  الخليفة الراشد وهمته العـالية :

 يقول ضرار بن ضمرة الكنانى فى وصف عـلى : ( كان بعـيد المدى ، شديد القوى يقول فصلا ويحكم عـدلاً يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل ووحشته كان غـزير الدمعـة ، طويل الفكر ، يقلب كفيه ويخاطب نفسه ويعـجبه من اللباس ما خشن ومن الطعـام ما جشب لا يطمع القوى فى باطله ولا ييأس الضعـيف من عـدله وأشهد ، لقد رأيته فى بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغـارت نجومه وقد مثل فى محرابه ن قابضا عـلى لحيته يتململ تململ السليم ويبكى بكاء الحزين فكأنى أسمعـه وهو يقول : يا دنيا ، يا دنيا ، إلى تعـرضت أم إلى تشوفت ؟ هيهات هيهات غـرى غـيرى ، قد أبنتك ، طلقتك ثلاثاً لا رجعـة فيها ، فعـمرك قصير وعيشك حقير وخطرك كبير ، أه من قلة الزاد وبعـد السفر ووحشة الطريق ) .

 كان رضى الله عـنه ، يخرج كل ما كان فى بيت المال لمستحقيه حتى إذا فرغ بيت المال ، يأمر الإمام أن تنضح أرضه ويغـسل بالماء ، حتى إذا تم ذلك قام فصلى فوق أرضه المغـسولة ركعـتين ، كانت هذه الصلاة فى بيت المال ، بعـد أن نضح أرضه بالماء ، رمزاً لمعـنى جليل ، كان إيذانا بعـهد جديد تسيطر فيه الأخرة عـلى الدنيا ويسترد الورع والتقى نفوذهما عـلى الدولة وعـلى المجتمع وعـلى الأنفس والأفئدة جميعـا .

 صفات مشرقة من عـدله رضى الله عـنه :

 رضى الله عـن أبى الحسن : ( يقول فصلا ويحكم عـدلا ، كانت حظوظه مع نفسه فى طهرها وعـدلها وتقاها رابية ووافية وكان عـدله سامقا يبقى عـلى مر الزمان منارا لذوى الرشد والنهى ، وكان ولاؤه للعـدل ولاء مطبوعـا ولاء فطرة وولاء يقين .

 يقول رضى الله عـنه : ( أأقنع من نفسى أن يقال : أمير المؤمنين ، ثم لا أشارك المؤمنين فى مكاره الزمان ، والله لو شئت لكان لى من صفو هذا العـسل ، ولباب هذا البر ، ومناعـم هذه الثياب ولكن ، هيهات أن يغـلبنى الهوى ، فأبيت مبطانا وحولى بطون غـرثى وأكباد حرى ) .

 وقال عـلى بن أبى طالب رضى الله عـنه ، عـلى المنبر فى يوم الجمعـة ( أيها الرعـاء إن لرعـيتكم حقوقاً : الحكم بالعـدل والقسم بالسوية وما من حسنة أحب إلى الله من حكم إمام عـادل ) .

 وعـن العـلاء بن عـمار أن عـليا رضى الله عـنه ، خطب الناس فقال : أيها الناس والذى لا إله إلا هو ما رزأت من مالكم قليلاً ولا كثيراً إلا هذه ، وأخرج قارورة من كم قميصه فيها طيب ، فقال : أهداها إلى الدهقان ثم أتى بيت المال فقال : خذوا ، ثم أنشأ يقول :

 أفلح من كانت له قوصرة   يأكل منها كل يوم مرة .

 وعـن عـبدالله بن زرير رحمه الله ، قال : دخلت مع عـلى رضى الله عـنه ، يوم الأضحى ، فقرب إلينا خزيرة ، فقلنا : أصلحك الله لو أطعـمتنا من هذا البط ، فإن الله قد أكثر الخير ، فقال : يا ابن زرير ، إنى سمعـت رسول الله صلى الله عـليه وسلم يقول : ( لا يحل للخليفة من مال الله إلا قصعـتان : قصعـة يأكلها هو وأهله وقصعـة يطعـمها بين الناس ) .

 قال عـنترة بن عـبدالرحمن الشيبانى : دخلت عـلى عـلى ابن أبى طالب بالخورنق وعـليه قطيفة وهو يرعـد من البرد فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن الله قد جعـل لك ولأهل بيتك نصيبا فى هذا المال وأنت ترعـد من البرد ؟

 فقال : إنى والله لا أرزأ من مالكم شيئاً ، وهذه القطيفة هى التى خرجت بها من بيتى ، أو قال من المدينة .

 ومن عـدالته : ما رواه عـلى بن ربيعـة الوالبى ، قال : إن عـلى بن أبى طالب قد جاءه ابن النباج ، فقال : يا أمير المؤمنين ، امتلأ بيت مال المسلمين من صفراء وبيضاء ، ذهب وفضة ، فقال : الله أكبر ، فقام متوكئاً عـلى ابن النباج حتى قام عـلى بيت مال المسلمين ، فقال : هذا جناى وخياره فيه    وكال جان يده إلى فيه .

 يا ابن النباج ، عـلى بأشياع الكوفة ، قال : فنودى فى الناس ، فأعـطى جميع ما فى بيت مال المسلمين وهو يقول : يا صفراء ويا بيضاء غـرى غـيرى ها وها ، حتى ما بقى منه دينار ولا درهم ثم أمره بنضحه وصلى فيه ركعـتين .

 وعـن عـلى بن الأرقم ، عـن أبيه قال : رأيت عـلياً وهو يبيع سيفا له فى السوق ويقول : من يشترى منى هذا السيف فهو الذى فلق الحبة لطالما كشفت به عـن وجه رسول الله صلى الله عـليه وسلم ولو كان عـندى ثمن إزار ما بعـته .

 وكان رضى الله عـنه ، يشمى فى أسواق الكوفة وهو خليفة المسلمين ، فيرشد الضال ويعـين الضعـيف ويلتقى بالشيخ المسن الكهل ، فيحمل عـنه حاجته ولا يسكن قصر الإمارة ويقول : ( قصر الخبال هذا ، لا أسكنه أبداً ) وحين نتكلم عـن أمير المؤمنين رضى الله عـنه ، فإنا نؤرخ للعـظمة الإنسانية والعـدل فى نموذجه الباهر ، هو الذى عـلم الأمة فقال أهل القبلة ولله دره حين يقول لعـسكره : لا تقتلوا مدبراً ولا تجهزوا عـلى جريح ، ولا تقربوا النساء بأذى وإن شتمنكم وشتمن أمراءكم وصلحاءكم ، واذكروا الله كثيراً لعـلكم تفلحون ) .

 لله در أبى الأسود الدؤلى حيث يقول فى عـلى :

  يقيم الحق لا يرتاب فيه              ويعـدل فى العـدى والأقربينا
 ونفسا لم تذق طعـم الدنايا           ولا لذت من الدنيا طعـاماً
 غـذاها الدين مذ كانت فشبت        عـلى التقوى رضاعـاً وانفطاما
 ونشأها عـلى كرم وأيد             وصاغ من الجلال لها قواماً
 ذكت فسمت عـن الدنيا طلابا        وأضنى حبها قوماً وتاماً
 طوى عـنها عـلى الضراء كشحا   وعـاف نصارها تبرا وساما
 

 وأكبر همه مذ كان طفلاً           حدود الله يحرص أن تقاما
 يذل لعـزها نفسا ويرضى         لدفع الضيم عـنها أن يضاما
 إذا ما رن صوت الحق منه       تولى الإفك وانحطم انحطاما

 ولما طعـن رضى الله عـنه ، وهو يتهيأ للصلاة ، بعـد أن مر بشوارع الكوفة يوقظ أهلها لصلاة الفجر ، قال لبنيه بعـد أن عـلم قاتله ( أحسنو نزله وأكرموا مثواه فإن أعـش فأنا أولى بدمه قصاصا أو عـفواً ، وإن أمت ، فألحقوه بى ، أخاصمه عـند رب العـالمين ولا تقتلوا بى سواه ، إن الله لا يحب المعـتدين ) .

  ( عـلى ) رضى الله عـنه أقضى هذه الأمة :

 قال عـمر بن الخطاب : أقضانا عـلى بن أبى طالب .

 وعـن ابن مسعـود قال : كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة عـلى بن أبى طالب .

 وعـن عـلى قال : بعـثنى رسول الله صلى الله عـليه وسلم إلى اليمن قاضيا ، فقلت : يا رسول الله ، ترصفنى وأنا حديث السن ، ولا عـلم لى بالقضاء ، فقال : ( إن الله سيهدى قلبك ، ويثبت لسانك فإذا جلس بين يديك الخصمان ، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعـت من الأول ، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء )( قال : فما زلت قاضيا ، أو ما شككت فى قضاء بعـد ) .

 وعـن أبى سعـيد الخدرى أنه سمع عـمر يقول لعـلى ، وقد سأله عـن شئ فأجابه ، أعـوذ بالله أن أعـيش فى قوم لست فيهم يا أبا حسن .

 وأخرج أحمد فى المناقب عـن عـلى رضى الله عـنه ، أن رسول الله صلى الله عـليه وسلم بعـثه إلى اليمن فوجد أربعـة وقعـوا فى حفرة حفرت ليصطاد فيها الأسد ، سقط أولا رجل فتعـلق بآخر وتعـلق الآخر بآخر حتى تساقط الأربعـة فجرحهم الأسد ، وماتا من جراحته فتنازل أولياؤهم حتى كادوا يقتتلون ، فقال عـلى : أنا أقضى بينكم ، فإن رضيتم فهو القضاء ، وإلا حجزت بعـضكم عـن بعـض حتى تأتوا رسول الله صلى الله عـليه وسلم ليقضى بينكم اجمعـوا من القبائل الذين حفروا البئر وربع الدية وثلثها ونصفها ودية كاملة ن فللأول ربع الدية ، لأنه أهلك من فوقه وللذى يليه ثلثها ، لأنه أهلك من فوقه وللثالث النصف لأنه أهلك من فوقه وللرابع الدية كاملة ، فأبوا أن يرضوا ، فأتوا رسول الله صلى الله عـليه وسلم فلقوه عـند مقام إبراهيم ، فقصوا عـليه القصة فقال : ( أنا أقضى بينكم ) واحتبى ببردة ، فقال رجل من القوم : إن عـليا قضى بيننا فلما قصوا عـليه القصة ، أجازه .

  عـلى رضى الله عـنه وجوده وكرمه :

 عـن أبى جعـفر قال : ما مات عـلى بن أبى طالب رضى الله عـنه ، حتى بلغـت غـلته مائة ألف ولقد مات يوم مات وعـليه سبعـون ألفا دينا فقلت : من أين كان عـليه هذا الدين ، قال : كان تأتيه حامته من أصهاره ومعـارفه ، ممن لا يرى لهم فى الفئ نصيبا ، فيعـطيهم ، فلما قام الحسن بن عـلى باع وأخذ من حواشى ماله حتى قضى عـنه ثم كان يعـتق عـنه فى كل عـام خمسين نسمه حتى هلك ثم كان الحسين يعـتق عـنه خمسين نسمة حتى قتل ثم لم يفعـله أحد بعـدهما

 نزع ( أبو بكر ) مخيط الهوى فمزقه ( عـلى ) .

 رمى الصديق جهاز المطلقة فوافقه عـلى حتى رمى الخاتم .

 حبب الفقر إليه أنه                 سؤدد وهو بذاك الفقر يغـنى

 وشريف القوم من بقى لهم         شرف الذكر وخلى المال يفنى

 ما اطمأن الوفر فى بحبوحه          فرأيت المجد فيها مطمئنا

 تهدم الأموال من أساسها           أبداً ما دامت العـلياء تبنى

  عـلى رضى الله عـنه وشكره لله :

  كان عـلى بن أبى طالب رضى الله عـنه ، إذا خرج من الخلاء مسح بطنه بيده ، وقال : يالها من نعـمة لو يعـلم العـباد شكرها .

 وعـن عـلى رضى الله عـنه ، أنه قال لرجل من أهل همدان : ( إن النعـمة موصولة بالشكر والشكر متعـلق بالمزيد وهما مقرونان فى قرن ، فلن ينقطع المزيد من الله عـز وجل حتى ينقط الشكر من العـبد ) .

 تواضعـه رضى الله عـنه :

  عـن عـمرو بن قيس : أن عـليا رضى الله عـنه ، رئى عـليه إزار مرقوع ، فعـوتب فى لبوسه ، فقال : يقتدى به المؤمن ويخشع له القلب .

  أدابه رضى الله عـنه :

 عـن صهيب مولى العـباس قال : رأيت عـليا يقبل يد العـباس ورجله ويقول : يا عم أرض عـنى .

 زهده رضى الله عـنه :

  كان يجعـبه من اللباس ما خشن ، ومن الطعـام ما جشب أى ما غـلظ .

 هذا الذى كان يقف وقد أرخى الليل سجوفه وغـارت نجومه وقد مثل فى محرابه قابضا عـلى لحيته ، يتململ تململ السليم ويبكى بكاء الحزين وهو يقول : يا دنيا أبى تعـرضت ، أم بى تشوقت ، هيهات غـرى غـيرى ، قد بنتك ثلاثا لا رجعـة لى فيك فعـمرك قصير وعـيشك حقير وخطرك كبير ، آه من قلة الزاد وبعـد السفر ووحشة الطريق .

 كلمات من ذهب :

  قال رضى الله عـنه الناس ثلاثة : فعالم ربانى ، ومتعـلم عـلى سبيل النجاة وهمج رعـاع اتباع كل ناعـق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العـلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق .

 العـلم خير من المال ، العـلم يحرسك وأنت تحرس المال ، العـلم يزكو عـلى العـمل والمال تنقصه النفقة ومحبة العـالم دين يدان بها .

 العـلم يكسب العـالم الطاعـة فى حياته ، وجميل الأحدوثة بعـد موته وضيعـة المال تزول بزواله .

 مات خزان الأموال وهم أحياء والعـلماء باقون ما بقى الدهر ، أعـيانهم مفقودة وأمثالهم فى القلوب موجودة .

 وقال رضى الله عـنه : احفظوا عـنى خمسا لو ركبتم الإبل فى طلبهن لما اصبتموهن لأنضيتم الإبل قبل أن تدركوهن .

 لا يرجون عـبد إلا ربه ، ولا يخف إلا ذنبه ولا يستحى جاهل أن يسأل عما لا يعـلم ولا يستحى عـالم إذا سئل عـما لا يعـلم أن يقول : الله أعـلم والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا إيمان لمن لا صبر له .

 وقال رضى الله عـنه ( إن أخوف ما أخاف اتباع الهوى وطول الأمل : فأما اتباع الهوى فيصد عـن الحق وأما طول الأمل فينسى الآخر ، إلا وإن الدنيا قد ارتحلت مدبرة إلا وإن الآخر قد ارتحلت مقبلة ولكل واحدة منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، فإن اليوم عـمل ولا حساب وغـداً حساب ولا عـمل ) .

 وقال رضى الله عـنه : كونوا ينابيع العـلم ، معـادن الحكمة مصابيع الليل ، خلقان الثياب ، جدد القلوب ، تعـرفون فى أهل السماء وتخفون فى أهل الأرض وتذكرون عـند ربكم .

 ألا إن الفقيه كل الفقيه الذى لا يقنط النسا من رحمة الله ولا يؤمنهم من عـذاب الله ولا يرخص لهم  فى معـاصى الله ولا يدع القرآن رغـبة عـنه إلى غـيره ولا خير فى عـبادة لا عـلم فيها ، ولا حير فى عـلم لا فهم فيه ولا خير فى قراءة لا تدبر فيها .

 ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يكثر عـلمك ويعـظم حلمك وأن تباهى الناس بعـبادة ربك ، فإن أحسنت حمدت الله ، وإن أسأت استغـفرت الله .

 ولا خير فى الدنيا إلا لأحد رجلين : رجل أذنب ذنوبا فهو يتدارك ذلك بتوبة ورجل يسارع فى الخيرات ويعـمل فى الدرجات

  موعـظة بليغـة :

 وعـن جعـفر بن محمد عـن أبيه ، عـن جده ، أن عـليا رضى الله عـنه ، شيع جنازة فلما وضعـت فى لحدها عـج أهلها وبكوها فقال : ( ما تبكون ، أما والله لو عـاينوا ما عـاين ميتهم لأذهلتهم معـاينتهم عـن ميتهم وإن له فيهم لعـودة يعـنى ملك الموت ، حتى لا يبقى منهم أحداً ثم قام فقال : أوصيكم عـباد الله بتقوى الله الذى ضرب لكم الأمثال ، ووقت لكم الآحال ، وجعـل لكم أسماعـاً تعـى ما عـناها وأبصاراً لتجعـلوا عـن غـشاها ، وأفندة تفهم ما دهاها، إن الله لم يخلقكم عـبثا ، ولم يضرب عـنكم الذكر صفحا ، بل أكرمكم بالنعـم السوابغ وأرصد لكم الجزاء ، فاتقوا الله عـباد الله وجدوا فى الطلب وبادروا بالعمل قبل هادم اللذات ، فإن الدنيا لا يدوم نعـيمها ولا تؤمن فجائعـها ، غـرور حائل ، وسناد مائل ، اتعـظوا عـباد الله بالعـبر وازدجروا بالنذر وانتفعـوا بالمواعـظ ، فكأن قد علقتكم مخالب المنية ، وضمنتم بيت التراب ودهمتكم مفظعـات الأمور بنفخة الصور ، وبعـثرة القبور ، وسياق المحشر ، وموقف الحساب ، بإحاطة قدرة الجبار ، كل نفس معـها سائق يسوقها لمحشرها ، وشاهد يشهد عـليا ( وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجئ بالنبيين والشهداء وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون ) فارتجت لذلك اليوم البلاد ، ونادى المنادى وحشرت الوحوش وبدت الأسرار وارتحبت الأفئدة وبرزت الجحيم قد تأجج جحيمها وغـلا حميمها ، عـباد الله اتقوا الله تقية من وجل وحذر وأبصر وازدجر فاحتث طلباً ونجا هربا وقدم للمعـاد واستظهر بالزاد وكفى بالله منتقما ونصيراً وكفى بالكتاب خصما وحجيجا وكفى بالجنة ثوابا وكفى بالنر وبالاً وعـقابا وأستغـفر الله لى ولكم .

 نعـمة الأتباع :

  أخرج البخارى عـن مروان بن الحكم قال : ( شهدت عـليا ً وعـثمان بين مكة والمدينة وعـثمان ينهى عـن المتعـة وأن يجمع بينهما ، فلما رأى ذلك ( عـلى ) أهل بهما جميعـاً فقال : لبيك بحجة وعـمرة معـاً ، فقال عـثمان : ترانى أنهى الناس عـن شئ وأنت تفعـله فقال : ما كنت لأدع سنة رسول الله صلى الله عـليه وسلم لقول أحد من الناس ) .

 وأخرج البيهقى بسنده عـن عـلى رضى الله عـنه قال : ( لو كان الدين بالرأى لكان باطن الخفين أحق بالمسح من ظاهرهما ، ولكن رأيت رسول الله صلى الله عـليه وسلم يمسح عـلى ظاهرهما ) .

 عـلى رضى الله عـنه والدعـوة إلى الله :

  عـن البراء أن رسول الله صلى الله عـليه وسلم بعـث خالد بن الوليد رضى الله عـنه إلى أهل اليمن يدعـوهم إلى الإسلام قال البراء : فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد ، فأقمنا ستة أشهر يدعـوهم إلى الأسلام ، فلم يجيبوه ، ثم إن رسول الله صلى الله عـليه وسلم بعـث عـلى بن أبى طالب رضى الله عـنه وأمره أن يقفل خالداً ، إلا رجلا كان ممن مع خالد ، فمن أحب أن يعـقب مع عـلى ، فليعـقب معـه ، قال البراء : فكنت فيمن عـقب مع عـلى ، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا ، ثم تقدم فصلى بنا عـلى ، ثم صفنا صفا واحداً ثم تقدم بين أيدينا ، وقرأ عـليهم كتاب رسول الله صلى الله عـليه وسلم ، فأسلمت ( همدان ) جميعـاً ، فكتب عـلى إلى رسول الله صلى الله عـليه وسلم بإسلامهم ، فلما قرأ رسول الله صلى الله عـليه وسلم الكتاب خر ساجداً ثم رفع رأسه فقال ( السلام عـلى همدان ، السلام عـلى همدان ) .

 قتاله رضى الله عـنه للخوارج :

  عـن أبى سعـيد الخدرى رضى الله عـنه قال : كنا جلوساً نتظر رسول الله صلى الله عـليه وآله وسلم فخرج عـلينا من بعـض بيوت نسائه قال : فقمنا معـه ، فانقطعـت نعـله ، فتخلف عـليها ( عـلى ) يخصفها ، فمضى رسول الله صلى الله عـليه وسلم ومضينا معـه ، ثم قام ينتظره وقمنا معـه ، فقال ( إن منكم من يقاتل عـلى تأويل هذا القرآن ، كما قاتلت عـلى تنزيله ) فاستشرفنا وفينا أبو بكر وعـمر ، فقال : ( لا ولكنه خاصف النعـل ) قال : فجئنا نبشره ، قال : وكأنه قد سمعـه .

 وهو الذى قاتل الخوارج وقتلوه وهم الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عـليه وسلم : ( طوبى لمن قتلهم وقتلوه ) .

 وقال صلى الله عـليه وسلم : ( لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود )

 وقال صلى الله عـليه وسلم : ( الخوارج كلاب النار )

 وقال صلى الله عـليه وسلم : ( لو يعـلم الجيش الذى يصيبونهم ما قضى لهم عـلى لسان نبيهم لا تكلوا عـن العـمل ) .

 وقال صلى الله عـليه وسلم : ( إن فى قتلهم أجراً عـظيماً عـند الله لمن قتلهم ) .

 ولما خرجت الخوارج عـلى ( عـلى ) وكانوا ثمانية آلاف من قراء الناس ، ونزل بحروراء فناظرهم ( عـلى ) ، فرجع منهم أربعـة آلاف فيهم عـبدالله بن الكواء ، فبعـث ( عـلى ) إلى الآخرين أن يرجعـوا فأبوا ، فأرسل إليهم : كونوا حيث شئتم ، وبيننا وبينكم أن لا تسفكوا دما حراماً ، ولا تقطعـوا سبيلاً ولا تظلموا أحداً ، فإن فعـلتم نبذتم إليكم الحرب .

 قال عـبدالله بن شداد : فوالله ما قتلهم حتى قطعـوا السبيل ، وسفكوا الدم الحرام ، وذلك بقتلهم عـبدالله ابن خباب بن الأرت ، وبقروا بطن سريته .

 وعـن سلمة بن كهيل قال : حدثنى زيد بن وهب الجهنى أنه كان فى الجيش الذى كانوا مع عـلى رضى الله عـنه ، الذين ساروا إلى الخوارج فقال عـلى رضى الله عـنه : أيها الناس إنى سمعـت رسول الله صلى الله عـليه وسلم يقول : ( يخرج قوم من أمتى يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشئ ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشنئ ولا صيامكم إلى صيامهم بشئ يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عـليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ) لو يعـلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم عـلى لسان نبيهم صلى الله عـليه وسلم لاتكلوا عـن العـمل ، وآية ذلك أن فيهم رجلاً له عـضد وليس له ذراع عـلى رأس عـضده مثل حلمه الثدى عـليه شعـرات بيض .

 فتذهبون إلى معـاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم فى ذراريكم وأموالكم والله إنى لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنهم قد سفكوا الدم الحرام ، وأغـاروا فى سرح الناس فسيروا عـلى اسم الله ، قال سلمه بن كهيل : فنزلنى زيد بن وهب منزلا حتى قال : مررنا عـلى قنطرة فلما التقينا وعـلى الخوارج يومئذ ( عـبدالله بن وهب الرأسبى ) فقال لهم : ( ألقوا الرماح وسلوا سيوفكم من جفونها فإنى أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء فرجعـوا فوحشوا برماحهم وسلوا السيوف وشجرهم الناس برماحهم قال : وقتل بعـضهم عـلى بعـض وما أصيب من الناس يؤمئذ إلا رجلان فقال لهم عـلى رضى الله عـنهم : التمسوا فيهم ( المخدج ) الرجل الذى وصفه لهم النبى صلى الله عـليه وسلم ، فالتمسوه فلم يجدوه فقام عـلى رضى الله عـنه ، بنفسه حتى أتى ناسا قد قتل بعـضهم عـلى بعـض قال : أخروهم فوجدوه مما يلى الأرض فكبر ثم قال : صدق الله وبلغ رسوله قال : فقام إليه عـبيدة السلمانى فقال يا أمير المؤمنين ، ألله الذى لا إله إلا هو لسمعـت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عـليه وسلم فقال : إى والله الذى لا إله إلا هو حتى استحلفه ثلاثاً وهو يحلف .

 وحان وقت الرحيل  :

  لقد بشره النبى صلى الله عـليه بالشهادة من قبل ، وكان ( عـلى ) رضى الله عـنه ، لا ينسى أبداً تلك البشرى العـظيمة ، فكان عـلى يقين من أنه سيقتل شهيداً مهما طال عـليه العـمر .

 فعـن زيد بن وهب ، قال : ( قدم عـلى عـلى قوم من أهل البصرة من الخوارج ، فيهم رجل يقال له : الجعـد ابن بعـجة فقال له : اتق الله يا عـلى فإنك ميت .

 فقال له عـلى رضى الله عـنه: ( بل مقتول ، ضربة عـلى هذا ، يقصد قرنه ، تخضب هذه ، يعـنى لحيته من رأسه ، عـهد معـهود وقضاء مقضى وقد خاب من افترى ) .

 وعـن أبى مجلز قال : جاء رجل من مراد إلى ( عـلى ) وهو يصلى فى المسجد فقال : احترس فإن ناسا من مراد يريدون قتلك فقال : إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر عـليه ، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه وإن الأجل جنة حصينة .