طلحة بن عبيد الله

 

 مرحباً مرحباً بمن قدم حياته فداءً للحبيب صلى الله عـليه وسلم فى غـزوة أحد ، مرحباً بالشهيد الحى الذى يضع أقدامه فى الدنيا وهو يعـلم أنه من أهل جنة .

 مرحبا بمن شهد له النبى صلى الله عـليه وسلم أنه ممن قضى نحبه .

 مرحباً بالصحابى الجليل : طلحة بن عـبيد الله القرشى التيمى ، أبو محمد ، أحد العـشرة ، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام ، وأحد الخمسة الذين أسلموا عـلى يد أبى بكر ، وأحد الستة أصحاب الشورى .

 لقد كان طلحة رضى الله عـنه ، صاحب النفس الطيبة التى تبحث عـن الخير أينما كان ، فكان يرى الجاهلية التى يعـيشها الناس من حوله فتشمئز نفسه ويتمزق قلبه حزناً وكمداً عـلى تلك الحالة التى كان يتمنى هو وغـيره ، من أصحاب المروءة والنفوس النقية الصافية التى فطرت عـلى النقاء ، أن تتغـير وأن تتبدل تلك الجاهلية إلى حياة نظيفة طاهرة يعـيش الناس فيها فى ظل الحب والوئام والعـدل والإخاء .

 إنه عـملاق من عـمالقة الإسلام ، وفارس من أشجع الفرسان ، ورجل من أولئك الرجال الذين كان لهم أطيب الأثر وأعـظمه فى الفتوحات الإسلامية الأولى ، والده : عـبيد الله ، كان من أشراف مكة ، وأولى الحضوة فيها وأمه : الصعـبة بنت عـبدالله ، جدها لأمها وهب بن عـبدالله ، صاحب العـطاء والكرم .

 وبين أبيه وأمه نمت طفولته وترعـرع شبابه وتعـلم عـلى أيديهما الكثير من شئون الحياة والتخلق بالأخلاق الكريمة ، والصفات الحميدة ، حتى إذا بلغ مبلغ الرجال تزوج حمنة بنت جحش ، أخت زينب زوج النبى صلى الله عـليه وسلم .

 ونشأ طلحة رضى الله عـنه ، فى مكة ، فعـرف سهولها ووديانها وتنقل بين جبالها وقممها ، وتعـلم الرماية بالسهم والإصابة بالرمح ولما شب عـن الطوق ضاقت به جنبات مكة ، فأختار طريق التجارة ، ومن هنا عـرفته أسواق بصرى والشام عـرفته تاجراً صدوقاً وخبرته بائعـاً سمحاً .

 وسارت حياة طلحة رضى الله عـنه ، بين ظعـن وإقامة ، وحل وترحال وتوالت الأيام ، وكرت الليالى ، وهى لا تخرجه عـن مزاولة التجارة .

 هذا العـمل الشاق الذى رضيه لنفسه واختاره لحياته .

 وسرعـان ما تحققت تلك الأمنية الغـالية ، فلقد بزغ نور الإسلام فأضاء الكون كله فى لحظة واحدة ، يوم أن نزل جبريل عـليه السلام عـلى الحبيب صلى الله عـليه وسلم ومعـه النور الذى أضاء الله به القلوب المظلمة وهدى به النفوس التائهة فى دروب الحياة المتشابكة إلى أنوار التوحيد والإيمان .

 لقد بعـث محمد صلى الله عـليه وسلم وآمن برسالته أبو بكر رضى الله عـنه ، فلما سمع طلحة رضى الله عـنه ، هذا الخبر لم يتلكأ ولم يتلعـثم ، بل إنه بمجرد أن دعـاه أبو بكر استجاب لنداء الحق فهو يعـلم يقيناً أن محمداً هو الصادق الأمين بلا منازع ، وأن أبا بكر هو التاجر الصدوق الذى لا يمكن أن يجتمع مع الحبيب صلى الله عـليه وسلم عـلى ضلالة أبداً .

 وذهب طلحة وقلبه ينبض بكل قوة وشوق وحنين للقاء الحبيب صلى الله عـليه وسلم ليعـلنها قوية فى وجه الكون كله : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عـليه وسلم .

 وعـلى الرغـم من مكانته بين قومه وثرائه ، إلا أنه أوذى فى سبيل الله ، ولكن سرعـان ما كشف الله عـنه هذا العـذاب والابتلاء .

 ولما هاجر الحبيب صلى الله عـليه وسلم إلى المدينة هاجر طلحة رضى الله عـنه مع المهاجرين لينعـم بصحبة النبى صلى الله عـليه وسلم بعـيدا عـن أعـين كفار قريش وسطوتهم .

  شهيد يمشى عـلى الأرض :

  وها هو الحبيب صلى الله عـليه وسلم يبشر طلحة رضى الله عـنه ، بأنه سيموت شهيداً بإذن الله ، جل وعـلا .

 فعـن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عـليه وسلم كان عـلى جبل حراء فتحرك فقال رسول الله صلى الله عـليه وسلم : ( اسكن حراء فما عـليك إلا نبى أو صديق أو شيهد ) وعـليه النبى صلى الله عـليه وسلم وأبو بكر وعـمر وعـثمان وعـلى وطلحة والزبير وسعـد بن أبى وقاص رضى الله عـنهم .

 فلما عـلم طلحة بأنه سيموت شهيداً وذلك بعـد أن سمع تلك البشرى من الحبيب صلى الله عـليه وسلم ظل يبحث عـن الشهادة فى مظانها ، فشهد المشاهد كلها مع النبى صلى الله عـليه وسلم عـدا غـزوة بدر .

 فاتفق أنه غـاب عـن وقعـة بدر فى تجارة له بالشام .

  وفى يوم ( أحد ) أوجب طلحة رضى الله عـنه :

  وفى غـزوة أحد كان طلحة كعـادته يبحث عـن الشهادة التى بشره بها النبى صلى الله عـليه وسلم لعـل الله أن يكرمه بها فى ذلك اليوم .

 وبينما كان الجيش الإسلامى الصغـير يسجل مرة أخرى نصراً ساحقاً عـلى مكة لم يكن أقل روعـة من النصر الذى اكتسبه يوم بدر ، وقعـت من أغـلبية فصيلة الرماة غـلطة فظيعـة قلبت الوضع تماماً ، وأدت إلى إلحاق الخسائر الفادحة بالمسلمين وكادت أن تكون سبباً فى مقتل النبى صلى الله عـليه وسلم ، وقد تركت أسوأ أثر عـلى سمعـتهم ، والهيبة التى كانوا يتمتعـون بها بعـد بدر .

 لما رأى هؤلاء الرماة أن المسلمين ينتهبون غـنائم العـدو ، غـلبت عـليهم أثارة من حب الدنيا ، فقال بعـضهم لبعـض الغـنيمة ، الغـنيمة ظهر أصحابكم ، فما تنتظرون .

 أما قائدهم عـبدالله بن جبير ، فقد ذكرهم أوامر الرسول صلى الله عـليه وسلم وقال : أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عـليه وسلم .

 ولكن الأغـلبية الساحقة لم تلق لهذا التذكير بالاً ، وقالت : والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغـنيمة ثم غـادر أربعـون رجلاً من هؤلاء الرماة مواقعـهم من الجبل ، والتحقوا بسواد الجيش ، ليشاركوه فى جمع الغـنائم ، وهكذا خلت ظهور المسلمين ولم يبق فيها إلا ابن جبير وتسعـة من أصحابة التزموا مواقفهم مصممين عـلى البقاء حتى يؤذن لهم أو يبادوا .

 وانتهر خالد بن الوليد هذه الفرصة الذهبية ، فاستدار بسرعـة خاطفة حتى وصل إلى مؤخرة الجيش الإسلامى ، فلم يلبث أن أباد عـبدالله بن جبير وأصحابه ن ثم انقض عـلى المسلمين من خلفهم وصاح فرسانه صيحة عـرف منها المشركون المنهزمون بالتطور الجديد ، فانقلبوا عـلى المسلمين وأسرعـت امرأة منهم ، وهى عـمرة بنت عـلقمة الحارثية ، فرفعـت لواء المشركين المطروح عـلى التراب ، فالتف حول المشركون ولاثوا به ، وتنادى بعـضهم بعـضاً ، حتى اجتمعـوا عـلى المسلمين ، وثبتوا للقتال وأحيط المسلمون من الأمام والخلف ووقعـوا بين شقى الرحى .

 وبينما كانت تلك الطوائف تتلقى أواصر التطويق ، تطحن بين شقى رحى المشركين ، كان العـراك محتدماً حول رسول الله صلى الله عـليه وسلم فلما نادى المسلمين ( هلم إلى ، أنا رسول الله ) سمع صوته المشركون وعـرفوه ، فكروا إليه وهاجموه ومالوا إليه بثقلهم قبل أن يرجع إليه أحد من جيش المسلمين فجرى بين المشركين وبين هؤلاء النفر التسعـة من الصحابة عـراك عـنيف ، ظهرت فيه نوادر الحب والتفانى والبسالة والبطولة .

 عـن أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عـليه وسلم أفرد يوم أحد فى سبعـة من الأنصار ورجلين من قريش ، فلما رهقوه ، قال : ( من يردهم عـنا وله الجنة ) أو : ( هو رفيقى فى الجنة ) فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ، ثم رهقوه أيضاً فلم يزل كذلك حتى قتل السبعـة ، فقال رسول الله صلى الله عـليه وسلم لصاحبيه ، أي : القرشيين : ( ما أنصفنا أصحابنا ) .

 وكان آخر هؤلاء السبعـة هو عـمارة بن يزيد بن السكن ، قاتل حتى أثبته الجراحة فسقط .

 وبعـد سقوط ابن السكن بقى رسول الله عـليه وسلم فى القرشيـين فقط .

 ففى الصحيحين عـن أبى عـثمان قال : لم يبق مع النبى صلى الله عـليه وسلم فى بعـض تلك الأيام التى يقاتل فيهن غـير طلحة بن عـبيد الله وسعـد بن أبى وقاص ).

 فأما سعـد بن أبى وقاس ، فقد نثل له رسول الله صلى الله عـليه وسلم كنانته وقال ( ارم فداك أبى وأمى ) ويدل عـلى مدى كفاءته أن النبى صلى الله عـليه وسلم لم يجمع أبويه لأحد غـير سعـد .

 وعـن جابر قال : لما كان يوم أحد وولى الناس كان رسول الله صلى الله عـليه وسلم فسى ناحية فى اثنى عـشر رجلاً منهم طلحة ، فأدركه المشركون ، فقال النبى صلى الله عـليه وسلم ( من للقوم ) قال طلحة : أنا ، قال : ( كما أنت ) فقال رجل : أنا ، قال : ( أنت ) فقاتل حتى قتل ، ثم التفت ، فإذا المشركون فقال : ( من لهم ) قال طلحة : أنا ، قال ( كما أنت ) فقال رجل من الأنصار : أنا ، قال : ( أنت ) فقاتل حتى قتل ، فلم يزل كذلك حتى بقى مع نبى الله ( طلحة ) فقال : ( من للقوم ) قال طلحة : أنا ، فقال طلحة قتال الأحد عـشر ، حتى قطعـت أصابعـه فقال : ( حس ) فقال رسول الله صلى الله عـليه وسلم ( لو قلت : بسم الله لرفعـتك الملائكة والناس ينظرون ) ، ثم رد الله المشركين .

 وعـند الطبرانى : ( لو قلت : بسم الله لطارت بك الملائكة والناس ينظرون إليك ) .
 وعـند النسائى والبيهقى فى الدلائل : ( حتى تلج بك فى جو السماء ) .
 وعـند أحمد : فقال له النبى صلى الله عـليه وسلم ( لو قلت بسم الله لرأيت يبنى لك بها بيت فى الجنة وأنت حى فى الدنيا).
 وعـن قيس بن حازم قال : رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبى يوم أحد .
 وجرح فى تلك الغـزوة تسعـاً وثلاثين أو خمساً وثلاثين وشلت أصبعـه أى السبابة والتى تليها .

 وقال النبى صلى الله عـليه وسلم فيه يومئذ : ( من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشى عـلى وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عـبيد الله .

 وروى أبو داود الطيالسى عـن عـائشة رضى الله عـنها قالت : كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال : ذلك اليوم كله لطلحه

 وقال فيه أبو بكر أيضا :
 يا طلحة بن عـبيد الله قد وجبت    لك الجنان وبوأت المها العـينا .

 عـن عـائشة وأم إسحاق بنتى طلحة قالتا : جرح أبونا يوم أحد أربعـا وعـشرين جراحة ، وقع منها فى رأسه شجة مربعـة وقطع نساه ، يعـنى العـرق وشلت أصبعـه وكان سائر الجراح فى جسده وغـلبه الغـشى ، الإغماء ، ورسول الله صلى الله عـليه وسلم مكسورة رباعـيته مشجوج فى وجهه ، قد عـلاء الغـشى ، وطلحة محتمله ، أى يحمل النبى صلى الله عـليه وسلم ، يرجع به القهقرى ، كلما أدركه أحد من المشركين ، قاتل دونه حتى أسنده إلى الشعـب .

 حتى قال عـنه صلى الله عـليه وسلم : ( أوجب طلحة حين صنع برسول الله صلى الله عـليه وسلم ما صنع ) .

 من المؤمنين رجال صدقوا ما عـاهدوا الله عـليه :

 عـن موسى وعـيسى ابنى طلحة عـن أبيهما أن أصحاب رسول الله صلى عـليه وسلم قالوا لأعـرابى جاء يسأله عـمن قضى نحبه من هو ، فكانوا لا يجترئون عـلى مسألته يوقرونه ويهابونه قال : فسأله الأعـرابى فأعـرض عـنه ثم سأله فأعـرض عـنه ثم إنى اطلعـت من باب المسجد يعـنى طلحة وعـلى ثياب خضر فلما رآنى رسول الله صلى الله عـليه وسلم قال : ( أين السائل عـمن قضى نحبه ) قال الأعـرابى : أنا يا رسول الله قال : ( هذا ممن قضى نحبه ) .

 وعـن طلحة رضى الله عـنه قال : عـقرت يوم أحد فى جميع جسدى حتى فى ذكرى
   وطلحة يوم الشعـب واسى محمداً   لدى ساعـة ضاقت عـليه وسدت
 وقاه بكفيه الرماح فقطعـت           أصابعـه تحت الرمماح فشلت

  أدبه مع النبى صلى الله عـليه وسلم :

  يظهر ذلك جلياً أثناء انسحاب رسول الله صلى الله عـليه وسلم من أحد ، قال ابن إسحاق : نهض رسول الله صلى الله عـليه وسلم إلى الصخرة من الجبل ليعـلوها وكان قد بدن وظاهر بين درعـين ، فلما ذهب لينهض لم يستطع ، فجلس تحته طلحة بن عـبيد الله حتى استوى عـليها .

 لقد أصاب العـرج إحدى رجلى طلحة رضى الله عـنه ، أثناء دفاعـة عـن النبى صلى الله عـليه وسلم ولما حمل طلحة النبى صلى الله عـليه وسلم تكلف استقامة المشى أدباً مع رسول الله صلى الله عـليه وسلم لئلا يشق عـلى النبى صلى الله عـليه وسلم ، فاستوت رجله العـرجاء لهذا التكلف ، فشفى من العـرج .

 دفاعـة عـن إخوانه وإحسان الظن بهم :

 عـن مالك بن أبى عـامر قال : جاء رجل إلى طلحة فقال : أرأيتك هذا اليمانى هو أعـلم بحديث رسول الله منكم ، يعـنى أبا هريرة ، نسمع منه أشياء لا نسمعـها منكم ، قال : أما أن قد سمع من رسول الله صلى الله عـليه وسلم ما لم نسمع ، فلا شك ، وسأخبرك : إنا كنا أهل بيوت وكنا إنما نأتى رسول الله غـدوة وعـشية وكان مسكيناً لا مال له ، أبو هريرة ، إنما هو عـلى باب رسول الله ، فلا شك أنه قد سمع ما لم نسمع ، وهل تجد أحداً فيه خير يقول عـلى رسول الله صلى الله عـليه وسلم ما لم يقل .

 إنفاقه فى سبيل الله تعـالى :

  عـن قبيصة بن جابر قال : صحبت طلحة ، فما رأيت أعـطى لجزيل مال من غـير مسألة منه .

 وعـن موسى ، عـن أبيه ( طلحة ) أنه أتاه مال من حضرموت سبع مئة ألف ، فبات ليلته يتململ فقالت له زوجته : ما لك قال : تفكرت منذ الليلة ، فقلت : ما ظن رجل بربه يبيت وهذا المال فى بيته ، قالت : فأين أنت عـن بعض أخلائك فإذا أصبحت ، فادع بجفان وقصاع فقسمه فقال لها : رحمك الله ، إنك موفقة بنت موفق ، وهى أم كلثوم بنت الصديق ، فلما أصبح دعـا بجفان ، فقسمها بين المهاجرين والأنصار ، فبعـث إلى عـلى منها بجفنة ، فقالت له زوجته : أبا محمد ، أما كان لنا فى هذا المال من نصيب ، قال : فأين كنت منذ اليوم ، فشأنك بما بقى ، قالت : فكانت صرة فيها نحو ألف درهم .

 وعـن سعـدى بنت عـوف المرية قالت : دخلت عـلى طلحة يوماً وهو خائر فقلت : ما ذلك لعـل رابك من أهلك شئ ، قال : لا والله ونعـم خليلة المسلم أنت ، ولكن مال عـندى قد غـمنى ، فقلت : ما يغـمك ، عـليك بقومك ، قال : يا غـلام أدع لى قومى ، فقسمه فيهم ، فسألت الخازن : كم أعـطى قال : أربع مئة ألف .

 وعـن الحسن البصرى أن طلحة بن عـبيد الله باع أرضاً له بسبع مئة ألف ، فبات أرقا من مخافة ذلك المال ن حتى أصبح ففرقه .
 وعـن عـلى بن زيد قال : جاء أعـرابى إلى طلحة يسأله ، فتقرب إليه برحم فقال : إن هذه لرحم ما سألنى بها أحد قبلك ، إن لى أرضاً قد أعـطانى بها عـثمان ثلاثمائة ألف فأقبضها ، وإن شئت بعـتها من عـثمان ، ودفعـت إليك الثمن ، فقال : الثمن ، فأعـطاه .

  موقفه يوم الجمل والشهادة فى سبيل الله :

  عـن عـلقمة بن وقاص الليثى قال : لما خرج طلحة والزبير وعـائشة للطلب بدم عـثمان عـرجوا عـن منصرفهم بذات عـرق ن فاستصغـروا عـروة بن الزبير ، وأبا بكر بن عـبدالرحمن فردوهما قال : ورأيت طلحة ، وأحب المجالس إليه أخلاها وهو ضارب بلحيته عـلى زوره ، فقلت : يا أبا محمد إنى أراك وأحب المجالس إليك أخلاها ، إن كنت تكره هذا الأمر فدعـه ، فقال : يا عـلقمة لا تلمنى ، كنا أمس يداً واحدة عـلى من سوانا فأصبحنا اليوم جبلين من حديد ، يزحف أحدنا إلى صاحبه ولكنه كان منى شئ فى أمر عـثمان ، مما لا أرى كفارته إلا سفك دمى ، وطلب دمه .

 قال الإمام الذهبى رحمه الله ، قلت : الذى كان منه فى حق عـثمان تمغـفل وتأليب ، فعـله باجتهاد ثم تغـير عـندما شاهد مصرع عـثمان ، فندم عـلى ترك نصرته رضى الله عـنهما وكان طلحة أول من بايع عـلياً ، أرهقه قتله عـثمان وأحضروه حتى بايع .

 ولكن طلحة والزبير رضى الله عـنهما ، اعـتزلا تلك الحرب فلم يقاتلا ، وذلك عـندما رأيا ( عـماراً ) يقاتل فى صف ( عـلى ) فتذكرا قول النبى صلى الله عـليه وسلم لعـمار : تقتلك الفئة الباغـية .

 وكان طلحة والزبير رضى الله عـنهما ، فى جيش معـاوية رضى الله عـنه ، الذى يقاتل عـماراً رضى الله عـنه ، فخشيا من الخوض فى هذا القتال ومما زاد حماسهما لاعـتزال تلك الحرب ، قول عـلى بن أبى طالب للزبير : يا زبير أنشدك الله هل سمعـت رسول الله صلى الله عـليه وسلم يقول : تقاتله وأنت له ظالم ، قال الزبير : أذكر ، ثم مضى الزبير منصرفاً .

 فانسحب طلحة والزبير وقتلا أثناء اعـتزالهما لتلك الحرب ، فأما الزبير فقد تعـقبه رجل اسمه ( عـمرو بن جرموز ) فقتله غـدراً .
 وأما طلحة فيقال : أنه جاءه سهم غـرب ، أى لا يدرى من الذى رماه .
 وقيل : إن الذى رماه هو مروان بن الحكم .

 فعـن قيس قال : رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذ بسهم ، فوقع فى ركبته ، فلما زال ينسح حتى مات .

 وعـن أبى سبرة قال : نظر مروان بن الحكم إلى طلحة بن عـبيد الله يوم الجمل فقال : لا أطلب بثأرى بعـد اليوم فرماه بسهم فقتله .

 قال الإمام الذهبى رحمه الله ، قلت : قاتل طلحة فى الوزر بمنزلة قاتل ( عـلى ) وعـن ( عـلى ) قال : ( بشروا قاتل طلحة بالنار ) .

 وعـن طلحة بن مطرف : أن عـلياً انتهى إلى طلحة وقد مات ، فنزل عـن دابته وأجلسه ، ومسح الغـبار عـن وجهه ولحيته ، وهو يترحم عـليه ، وقال : ( ليتنى مت قبل هذا بعـشرين سنة ) .

 وعـن قيس بن عـبادة قال : ( سمعـت عـليا رضى الله عـنه ، يوم الجمل يقول لابنه الحسن : ( يا حسن وددت أنى كنت مت منذ عـشرين سنة ) .

 وعـن أبى حبيبة مولى لطلحة قال : دخلت عـلى ( عـلى ) مع عـمران بن طلحة بعـد وقعـة الجمل فرحب به وأدناه ثم قال : إنى لأرجو أن يجعـلنى الله وأباك مما قال فيهم : ( ونزعـنا ما فى صدورهم من غـل إخوانا عـلى سرر متقابلين ) .

   حفظ الله له بعـد موته :

  إن الله يحفظ العـبد المؤمن بعـد موته كما كان يحفظه وهو حى .
 وها هو طلحة رضى الله عـنه ، بعـد موته بأكثر من ثلاثين سنة يفتحون قبره وينقلونه إلى مكان آخر ، وإذا به لم يتغـير منه إلا شعـيرات فى إحدى شقى لحيته .

 فعـن المثنى بن سعـيد قال : أتى رجل عـائشة بنت طلحة فقال : رأيت طلحة فى المنام ، فقال : قل لعـائشة تحولنى من هذا المكان ، فإن النز ، الرطوبة أو الماء ، قد آذانى ، فركبت فى حشمها ، فضربوا عـليه بناء واستثاروه قال : فلم يتغـير منه إلا شعـيرات فى إحدى شقى لحيته أو قال رأسه وكان بينهما بضع وثلاثون سنة .
 وحكى المسعـودى أن عـائشة بنته هى التى رأت المنام .