الزبير بن العوام

 

  يا لها من مناقب اجتمعـت لهذا الصحابى الجليل .

 إنه حوارى رسول الله صلى الله عـليه وسلم وابن عـمته صفية بنت عـبد المطلب ، واحد العـشرة المشهود لهم بالجنة ، وأحد الستة أهل الشورى ، وأول من سل سيفه فى سبيل الله ، أبو عـبد الله رضى الله عـنه ، أسلم وهو حدث له ست عـشر سنة .

 وقد ورد أن الزبير كان رجلاً طويلاً ، إذا ركب خطت رجلاه الأرض وكان خفيف اللحية والعـارضين .


 ولقد كان الزبير منذ صغـره فارساً مغـواراً لا يخشى الردى ، الموت ، أينما كان ولم يتخلف عـن غـزوة غـزاها رسول الله صلى الله عـليه وسلم قط .

 وكان يحب النبى صلى الله عـليه وسلم حبا ملك عـليه قلبه وجوارحه فكان يخشى عـليه من نسيم الهواء ، بل من أدنى من ذلك .

  دفاعـه عـن النبى صلى الله عـليه وسلم :

  وفى يوم من الأيام سرت إشاعـة بين الناس أن الرسول صلى الله عـليه وسلم قتل فما كان من الزبير إلا أن أخذ سيفه وخرج عـلى الناس كالإعـصار المدمر يريد أن يتثبت من الخبر فلقيه الحبيب صلى الله عـليه وسلم فقال : مالك يا زبير ؟ قال : أخبرت أنك أخذت ، قتلت ، فصلى عـليه ودعـا له ولسيفه .
 وفى رواية : فقال النبى صلى الله عـليه وسلم ما لك ؟ قال : أخبرت أنك أخذت ، قال : فكنت صانعـاً ماذا ، قال : كنت أضرب به من أخذك ، فدعـا له ولسيفه .

 كان يسمى أولاده بأسماء الشهداء :

 لقد كان يحب الشهادة فى سبيل الله ، ويبحث عـنها فى مظانها حتى إنه من حبه للشهادة كان يسمى أولاده بأسماء الشهداء قال الزبير بن العـوام : إن طلحة بن عـبيد التيمى يسمى بنيه بأسماء الأنبياء ، وقد عـلم أنه لا نبى بعـد محمد صلى الله عـليه وسلم ، وإنى أسمى بنى بأسماء الشهداء لعـلهم أن يستشهدوا ، فسمى ( عـبدالله ) بعـبدالله بن جحش ، ( المنذر ) بالمنذر ابن عـمرو ، ( وعـروة ) بعـروة بن مسعـود ( وحمزة ) بحمزة بن عـبدالمطلب ، ( وجعـفر ) بجعـفر بن أبى طالب ( ومصعـباً ) بمصعـب بن عـمير ( وعـبيدة ) بعـبيدة بن الحارث ( وخالد ) بخالد بن سعـيد ( وعـمراً ) بعـمرو بن سعـيد بن العـاص .

 صبره عـلى الإيذاء فى سبيل الله :

 وعـلى الرغـم من شرفه ونسبه فى قومه إلا أنه أخذ حظه من الظلم والتعـذيب والاضطهاد .
 وكان الذى يتولى تعـذيبه ( عـمه ) .

 قال يتيم عـروة : هاجر الزبير وهو ابن ثمان عـشرسنة ، وكان عـمه يعـلقه ويدخن عـليه ، وهو يقول : ( لا أرجع إلى الكفر أبداً ) .
 ولقد هاجر الزبير إلى الحبشة الهجرتين ، الأولى والثانية ، ثم عـاد ليشهد مع رسول الله صلى الله عـليه وسلم المشاهد كلها .
 ومن تأمل وصف الصحابة رضى الله عـنهم ، لجسد الزبير لعـلم كيف كان يقاتل الزبير رضى الله عـنه .
 عـن عـروة قال : كان فى الزبير ثلاث ضربات بالسيف : إحداهن فى عـاتقه إن كنت لأدخل أصابعـى فيها ضرب ثنتين يوم بدر وواحدة يوم اليرموك .

 وعـن عـلى بن زيد قال : أخبرنى من رأى الزبير وإن فى صدره مثل العـيون ، من الطعـن والرمى .

 الهجرة إلى الحبشة :

  ولما اشتد إيذاء قريش لأصحاب الحبيب صلى الله عـليه وسلم ، أشار عـليهم بالهجرة إلى الحبشة ليكونوا فى جوار ( النجاشى ) ذلكم الملك العـادل .
 فكانوا عـنده بخير دار مع خير جار .
 وظلوا عـلى تلك الحالة من الأمن والاستقرار إلى أن نزل رجل من الحبشة لينازع النجاشى فى الملك فحزن المسلمون لذلك حزناً شديداً وخافوا أن يظهر ذلك الرجل عـلى النجاشى وهو لا يعـرف حتى الصحابة الأطهار ولا يعـرف قدرهم .
 وهنا أراد الصحابة رضى الله عـنهم أن يعـرفوا أخبار الصراع الدائر بين النجاشى وبين هذا الرجل ، عـلى الجانب الآخر من النيل .
 فقال أصحاب رسول الله صلى الله عـليه وسلم وعـلى آله وسلم : من رجل يخرج حتى يحضر وقيعـة القوم ثم يأتينا بالخبر ؟  : فقال الزبير بن العـوام : أنا ، قالوا : فأنت ، وكان من أحدث القوم سنا ، قلت : فنفخوا له قربة فجعـلها فى صدره ، ثم سبح عـليها حتى خرج إلى ناحية النيل التى بها ملتقى القوم ، ثم انطلق حتى حضرهم ، قلت : فدعـونا الله تعـالى للنجاشى بالظهور عـلى عـدوه ، والتمكين له فى بلاده ، قلت : فوالله إنا لعـلى ذلك متوقعـون لما هو كائن ، إذ طلع الزبير وهو يسعـى ، فلمع بثوبه وهو يقول : ألا أبشروا ، فقد ظفر النجاشى ، وأهلك الله عـدوه ومكن له فى بلاده .

  جهاده فى سبيل الله :

 لقد بذل ( الزبير ) الكثير والكثير فى سبيل الله فلقد جعـل نفسه وماله وقفا لله ، عـز وجل ، فأكرمه الله ورفعـه فى الدنيا والآخرة .
 فها هو الزبير رضى الله عـنه ، كانت عـليه عـمامة صفراء معـتجراً بها يوم بدر ، فعـن عـروة أنه قال : كانت عـلى الزبير يوم بدر عـمامة صفراء فنزل جبريل عـلى سيماء الزبير ، أى عـلى هيئته .
 فيا لها من منقبة لا توازيها الدنيا بكل ما فيها .
 وفيه يقول عـامر بن صالح بن عـبدالله بن الزبير :
  جدى ابن عـمة أحمد ووزيره        عـند البلاء وفارس الشقراء
 وغـداة بدر كان أول فارس           شهد الوغـى فى اللأمة الصفراء
 نزلت بسيماء الملائك نصرة           بالحوض يوم تألب الأعـداء
 وهو ممن هاجر إلى الحبشة فيما نقله موسى بن عـقبة ، وابن إسحاق ولم يطول الإقامة بها .

 وعـن الزبير قال : لقيت يوم بدر عـبيدة بن سعـد بن العـاص وهو مدجج لا يرى إلا عـيناه وكان يكنى أبا ذات كرش ، فحملت عـليه بالعـترة فطعـنته فى عـينه فمات ، قال الزبير : لقد وضعـت رجلى عـليه ، فكان الجهد أن نزعـتها ، يعـنى الحربة ، فلقد انثنى طرفها .
 وقتل الزبير يوم بدر عـمه نوفل بن خويلد بن أسد ، وكذا عـبيد بن سعـيد ابن العـاص .

 وفى يوم أحد :

 ورأى النبى يوم ( أحد ) رجلاً يقتل المسلمين قتلاً عـنيفا فقال : ( قم إليه يا زبير ) فرقى إليه الزبير ن حتى إذا علا فوقه اقتحم عـليه فاعـتنقه ن فأقبلا ينحدران حتى وقعـا إلى الأرض ، فوقع الزبير عـلى صدره وقتله .

  كان من الذين استجابوا لله وللرسول صلى الله عـليه وسلم :

 قال الزبير رضى الله عـنه ، جمع لى رسول الله صلى الله عـليه وسلم أبويه مرتين فى أحد وفى قريظه .
 وعـن هشام عـن أبيه ، قالت عـائشة : يا ابن أختى ، كان أبواك يعـنى الزبير وأبا بكر من ( الذين استجابوا لله والرسول من بعـد ما أصابهم القرح ) .

 لما انصرف المشركون من أحد ، وأصاب النبى صلى الله عـليه وسلم وأصحابه ما أصابهم ، خاف أن يرجعـوا ، فقال : من ينتدب هؤلاء فى آثارهم ، حتى يعـلموا أن بنا قوة ، فانتدب أبو بكر والزبير فى سبعـين ، فخرجوا فى آثار المشركين ، فسمعـوا بهم ، فانصرفوا ، قال تعـالى : ( فانقلبوا بنعـمة من الله وفضل لم يمسهم سوء ) ، لم يلقوا عـدواً .

 وفى يوم الخندق :

 روى البخارى ، ومسلم عـن جابر : قال رسول الله صلى الله عـليه وسلم يوم الخندق : من يأتينا بخبر بنى قريظة ، فقال الزبير : أنا ، فذهب عـلى فرس ، فجاء بخبرهم ، ثم قال الثانية ، فقال الزبير : أنا ، فذهب ، ثم الثالثة ، فقال النبى صلى الله عـليه وسلم ( لكل نبى حوارى ، وحوارى الزبير ) .
 قال عـلى بن أبى طالب : أشجع الناس الزبير ، ولا يعـرف قدر الرجال إلا الرجال .
 وقال الثورى : نجد الصحابة : حمزة وعـلى والزبير .
 وعـن عـبدالله بن الزبير قال : ( كنت يوم الأحزاب جعـلت أنا وعـمر بن أبى سلمة فى النساء فنظرت فإذا أنا بالزبير عـلى فرسه يختلف إلى بنى قريظة مرتين أو ثلاثاً فلما رجعـت قلت : يا أبت رأيتك تختلف ، قال : أو هل رأيتنى يا بنى ، قلت : نعـم ، قال : كان رسول الله صلى الله عـليه وسلم قال : من يأت بنى قريظة فيأتينى بخبرهم ، فانطلقت فلما رجعـت جمع لى رسول الله صلى الله عـليه وسلم أبويه فقال : فداك أبى وأمى .
 وعـن ابن أبى الزناد قال : ضرب الزبير يوم الخندق عـثمان بن عـبدالله بن المغـيرة بالسيف عـلى مغـفره ، فقطعـه إلى القربوس ، فقالوا : ما أجود سيفك ، فغـضب الزبير يريد أن العـمل ليده لا للسيف .

 وفى يوم حنين :

 ( ويوم ( حنين ) طاعـن الزبير المشركين حتى أزالهم عـن أماكنهم ، وكان قائد المشركين يراقب سير القتال ، فأخبره أصحابه أنهم يرون فارساً واضعـاً رمحه عـلى عـاتقه ، عـاصباً رأسه بملاءة حمراء فقال : هذا الزبير بن العـوام ، وأحلف باللات ليخالطنكم فاثبتوا له ، فلما انتهى الزبير إلى مواضع المشركين وأبصرهم ، قصدهم ، فلم يزل يطاعـنهم حتى أزاحهم عـنها .
 ولله در أشجع الناس الذى قال فيه عـلى بن أبى طالب : ( يغـضب كالنمر ، ويثب وثوب الأسد ) .

 وفى يوم اليرموك:

 عـن عـروة أن أصحاب رسول الله صلى الله عـليه وسلم قالوا للزبير يوم اليرموك : ألا تشد فنشد معـك ؟ فقال : إنى إن شددت كذبتم فقالوا : لا نفعـل ، فحمل عـليهم حتى شق صفوفهم ن فجاوزهم وما معـه أحد ، ثم رجع مقبلاً فأخذوا بلجامه فضربوه ضربتين عـلى عـاتقه بينهما ضربة ضربها يوم بدر ، قال عـروة : كنت أدخل أصابعـى فى تلك الضربات ألعـب وأنا صغـير ، قال عـروة : وكان معـه عـبدالله بن الزبير يومئذ ، وهو ابن عـشر سنين فحمله عـلى فرس ووكل به رجلاً ) .
 قال الذهبى فى السير معـلقا : ( هذه الوقعـة هى يوم اليمامة إن شاء الله ، فإن عـبدالله كان إذ ذاك ابن عـشر سنين ) .
 وذكر ابن كثير أن الموقعـة هى ( اليرموك ) ولا مانع من وقوع ذلك فى الموقعـتين .
 يا لروعـة إقدام الزبير حين يحجم الأبطال من صحابة رسول الله صلى الله عـليه وسلم ولا يصبرون معـه .
 قال ابن كثير : ( وقد كان فيمن شهد اليرموك : الزبير بن العـوام ، وهو أفضل من هناك من الصحابة ، وكان من فرسان الناس وشجعـانهم ن فاجتمع إليه جماعـة من الأبطال يومئذ ، فقالوا : ألا تحمل فنحمل معـك ؟ فقال : إنكم لا تثبتون ، فقالوا : بلى ، فحمل وحملوا ، فلما واجهوا صفوف الروم أحجموا وأقدم هو ، فاخترق صفوف الروم حتى خرج من الجانب الآخر ، وعـاد إلى أصحابه ، ثم جاءوا إليه مرة ثانية ففعـل كما فعـل فى الأولى ، وجرح يومئذ جرحين بين كتفيه وفى رواية جرح ) .
 ويقول ابن كثير مرة أخرى : ( خرج من الناس إلى الشام مجاهداً ، فشهد اليرموك ، فتشرفوا بحضوره ، وكانت له بها اليد البيضاء والهمة العـلياء ، اخترق جيوش الروم وصفوفهم مرتين من أولهم إلى آخرهم ) .

 وفى فتح مصر ( شجاعـة نادرة ) :

 ( ولما قصد عـمرو بن العـاص مصر لفتحها كانت معـه قوات تبلغ ثلاثة آلاف وخمسمائة رجل ، فكتب إلى عـمر بن الخطاب يستمده ، يطلب المدد من الرجال ، فأشفق عـمر من قلة عـدد قوات عـمرو ، فأرسل الزبير بن العـوام فى اثنى عـشر ألفاً ، وقيل : أرسل عـمر أربعـة آلاف رجل ، عـليهم من الصحابة الكبار : الزبير والمقداد بن الأسود ، وعـبادة ابن الصامت ، ومسلمة بن مخلد ، وقال آخرون : خارجة بن حذافة هو الرابع ، كتب إليه ( إنى أمددتك بأربعـة آلاف ، عـلى كل ألف منهم رجل مقام ألف ) وكان الزبير عـلى رأس هؤلاء الرجال ) .
 وحين قدم الزبير عـلى عـمرو وجده محاصراً حصن ( بابليون ) فلم يلبث الزبير أن ركب حصانه وطاف بالخندق المحيط بالحصن ، ثم فرق الرجال حول الخندق ، وطال الحصار حتى بلغـت مدته سبعـة أشهر ، فقيل للزبير : ( إن بها الطاعـون ) فقال : ( إنما جئنا للطعـن والطاعـون ) .
 ( وأبطأ الفتح عـلى عـمرو بن العـاص ، فقال الزبير : ( إنى أهب نفسى لله ، أرجو أن يفتح الله بذلك عـلى المسلمين ) فوضع سلماً وأسنده إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام ثم صعـد ، وأمرهم إذا سمعـوا تكبيره أن يجيبوه جمعـياً ، فما شعـروا إلا والزبير عـلى رأس الحصن ، يكبر ومعـه السيف ، فتحامل الناس عـلى السلم حتى نهاهم عـمرو ، خوفاً من أن ينكسر ، فلما رأى الروم أن العـرب قد ظفروا بالحصن انسحبوا ، وبذلك فتح حصن بابليون أبوابه للمسلمين ، فأنتهت بفتحه المعـركة الحاسمة لفتح مصر ، وكانت شجاعـة الزبير النادرة السبب المباشر لانتصار المسلمين عـلى المقوقس )
 ولله دور حسان حين يقول :
  أقام عـلى عـهد النبى وهديه            حوارية والقول بالفعـل يعـدل
 أقام عـلى منهاجه وطريقه                يوالى ولى الحق والحق أعـدل
 هو الفارس المشهور والبطل الذى          يصول إذا ما كان يوم محجل
 إذا كشفت عـن ساقها الحرب حشها       بأبيض سباق إلى الموت يرقل
 وإن امرأ كانت صفية أمه                  ومن أسد فى بيتها لمؤثل
 له من رسول الله قربى قريبة              ومن نصرة الإسلام مجد مؤثل
 فكم كربه ذب الزبير بسيفه                عـن المصطفى واللهـ يعـطى فيجزل
 ثناؤك خير من فعـال معـاشر             وفعـلك يا ابن الهاشمية أفضل

  غـيرة الزبير بن العـوام رضى الله عـنه :

 عـن أسماء بنت أبى بكر الصديق رضى الله عـنها قالت : تزوجنى الزبير رضى الله عـنه ، وما له فى الأرض مال ولا مملوك ولا شئ غـير فرسه ، قالت : فكنت أعـلف فرسه وأكفيه مؤنته وأسوسه وأدق النوى للناضحة وأعـلفه وأسقيه الماء وأخرز غـربه ، وأعـجن ولم أكن أحسن أخبز ، فكان يخبز لى جارات من الأنصار وكن نسوة صدق .
 قالت : وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التى أقطعـه رسول الله صلى الله عـليه وسلم عـلى رأسى ، وهى ثلثى فرسخ قالت : فجئت يوماً والنوى عـلى رأسى ، فلقيت رسول الله صلى الله عـليه وسلم ومعـه نفر من أصحابه فدعـا لى ، ثم قال ( أخ أخ ) ، ليحملنى خلفه فاستحييت أن أسير مع الرجال ، وذكرت الزبير وغـيرته ، قالت : وكان من أغـير الناس ، قالت : فعـرف رسول الله صلى الله عـليه وسلم أنى قد استحييت فمضى ، فجئت الزبير فقلت : لقينى رسول الله صلى الله عـليه وسلم وعـلى رأسى النوى ، ومعـه نفر من أصحابه ، فأناخ لأركب معـه ، فاستحييت وعـرفت غـيرتك ، فقال : والله لحملك النوى كان أشد عـلى من ركوبك معـه ، قالت : حتى أرسل إلى أبو بكر بعـد ذلك بخادم ، فكفتنى سياسة الفرس فكأنما أعـتقنى .

 وحان وقت الرحيل :

 وبعـد حياة طويلة مليئة بالعـطاء والتضحية والفداء كان الموعـد فى يوم الجمل فلقد شهد الزبير يوم الجمل مع طلحة وعـائشة رضى الله عـنهم جميعـاً ، غـير أنه عـندما ذكره ( عـلى ) بما قاله النبى صلى الله عـليه وسلم انصرف عـنهم .
 فعـن أبى حرب بن الأسود الديلى ، قال : شهدت الزبير خرج يريد عـلياً ، فقال له عـلى : أنشدك الله هل سمعـت رسول الله صلى الله عـليه وسلم يقول : ( تقاتله وأنت له ظالم ) فقال : أذكر ، ثم مضى الزبير منصرفاً .
 وانصرف الزبير يوم الجمل عـن عـلى ، فلقيه ابنه عـبدالله ، فقال : جبنا ، جبنا ، قال : قد عـلم الناس أنى لست بجبان، ولكن ذكرنى ( عـلى ) شيئاً سمعـته من رسول الله صلى الله عـليه وسلم فحلفت أن لا أقاتله ثم قال :
  ترك الأمور التى أخشى عـواقبها    فى الله أحسن فى الدنيا وفى الدين
 وقيل : إنه أنشد :
 ولقد عـلمت لو أن عـلمى نافعـى    أن الحياة من الممات قريب
 فلم ينشب أن قتله ابن جرموز .

  عـن جون بن قتادة قال : كنت مع الزبير يوم الجمل ، وكانوا يسلمون عـليه بالإمرة إلى أن قال : فطعـنه ابن جرموز ثانياً ، فأثبته ، فوقع ، ودفن بوادى السباع ، وجلس ( عـلى ) رضى الله عـنه ، يبكى عـليه هو وأصحابه .

 قاتل الزبير فى النار :

 لقد أخبر الصادق المصدوق الذى لا ينطق عـن الهوى صلى الله عـليه وسلم أن قاتل الزبير من أهل النار .
 وأخبر الحبيب صلى الله عـليه وسلم أن الزبير سيموت شهيداً .

 فعـن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عـليه وسلم كان عـلى جبل حراء : فتحرك ن فقال رسول الله صلى الله عـليه وسلم : ( اسكن حراء فما عـليك إلا نبى أو صديق أو شيهداً ) وعـليه النبى صلى الله عـليه وسلم وأبو بكر وعـمر وعـثمان وعـلى وطلحة والزبير وسعـد بن أبى وقاص رضى الله عـنهم .
 قال الإمام النووى رحمه الله ، وفى هذا الحديث معـجزات لرسول الله صلى الله عـليه وسلم ، منها إخباره أن هؤلاء شهداء وماتوا كلهم غـير النبى صلى الله عـليه وسلم وأبى بكر شهداء ، فإن عـمر وعـثمان وعـليا وطلحة والزبير رضى الله عـنهم ، قتلوا ظلما شهداء ، فقتل الثلاثة مشهور وقتل الزبير بوادى السباع بقرب البصرة منصرفا تاركا للقتال ، وكذلك طلحة اعـتزل الناس تاركا للقتال ، فأصابه سهم فقتله ، وقد ثبت أن من قتل مظلوما فهو شهيد .
 وها هو قاتل الزبير ( ابن جرموز ) عـليه من الله ما يستحقه ، يستأذن عـلى ( عـلى ) فقال : من هذا ، فقال : ابن جرموز يستأذن ، فقال : ائذنوا له ليدخل قاتل الزبير النار ، إنى سمعـت رسول الله صلى الله عـليه وسلم يقول : ( إن لكل نبى حوارى وإن حوارى الزبير ) .
 وفى رواية : جئ برأس الزبير إلى عـلى ، فقال عـلى : تبوأ يا أعـرابى مقعـدك من النار ، حدثنى رسول الله صلى الله عـليه وسلم أن قاتل الزبير فى النار .
 قال الشعـبى رحمه الله ، أدركت خمس مئة أو أكثر من الصحابة يقولون : عـلى ، وعـثمان وطلحة والزبير فى الجنة .
 قال الإمام الذهبى : قلت : لأنهم من العـشرة المشهود لهم بالجنة ، ومن البدريين ومن أهل بيعـة الرضوان ، ومن السابقين الأولين الذين أخبر تعـالى أنه رضى عـنهم ورضوا عـنه ، ولأن الأربعـة قتلوا ، ورزقوا الشهادة ، فنحن محبون لهم ، باغـضون للأربعـة الذين قتلوا الأربعـة .
 وقالت عـاتكة بنت زيد بن عـمرو بن نفيل وكانت تحت الزبير بن العـوام وكان أهل المدينة يقولون : من أراد الشهادة فيتزوج بنت زيد ن كانت عـند عـبدالله بن أبى بكر فقتل عـنها ، ثم كانت عـند عـمر ابن الخطاب فقتل عـنها ، ثم كانت عـند الزبير فقتل عـنها ، فقالت :
    غـدر ابن جرموز بفارس بهمة           يوم اللقاء وكان غـير معـرد
    يا عـمرو لو نبهته لوجدته               لا طائشا رعـش البنان ولا اليد
    ثكلتك أمك هل ظفرت بمثله                فيمن مضى فيما تروح وتغـتدى
   كم غـمرة قد خاضها لم يثنه              عـنها طرادك با ابن فقع الفدفد
   والله ربك إن قتلت لمسلماً                 حلت عـليك عـقوبة المتعـمد

 حرصه عـلى أداء دينه عـند الموت :

 عـن عـبدالله بن الزبير قال : جعـل الزبير يوم الجمل يوصينى بدينه ويقول : إن عـجزت عـن شئ منه فاستعـن عـليه بمولاى قال : فوالله ما دريت ما أراد ، حتى قلت : يا أبت من مولاك ، قال : الله ، قال : ما وقعـت فى كربة من دينه غلا وقلت : يا مولى الزبير اقض عـنه ، فيقضيه ، وإنما دينه الذى كان عـليه : أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعـه إياه فيقول الزبير : لا ، ولكنه سلف فإنى أخشى عـليه الضيعـة ، قال : فحسب ما عـليه من الدين فوجدته ألفى ألف ومائتى ألف ، فقتل ولم يدع ديناراً ولا درهما إلا أرضين ، فبعـتهما ( يعـنى : وقضيت دينه ) فقال بنو الزبير : اقسم بيننا ميراثنا فقلت : والله لا أقسم بينكم حتى أنادى بالموسم أربع سنين : ألا من كان له عـلى الزبير دين فليأتنا فلنقضه .
 فجعـل كل سنة ينادى بالموسم فلما مضى أربع سنين قسم بينهم .
 وكان للزبير أربع نسوة ، فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف ، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف .
 وكيف لا يحرص الزبير رضى الله عـنه ، عـلى أداء الدين وهو الذى كان يغـدق الأموال عـلى الفقراء واليتامى والمساكين .
 فعـن نهيك قال : كان للزبير ألف مملوك يؤدون الضريبة لا يدخل بيت ماله منها درهم .
 يقول : يتصدق بها ، وفى رواية أخرى فكان يقسمه كل ليلة ثم يقوم إلى منزله ليس معـه منه شئ .
 وعـن جويرية قالت : باع الزبير داراً له بستمائة ألف ، قال : فقيل له : يا أبا عـبدالله غـبنت ، قال : كلا والله لتعـلمن أنى لم أغـبن هى فى سبيل الله .
 وهكذا رحل الشهيد المبارك عـن دنيانا ليلحق بالحبيب صلى الله عـليه وسلم ، وأصحابه رضى الله عـنهم ، فى جنة الرحمن إخوانا عـلى سرر متقابلين .