سعد بن أبي وقاص

 

 إن الإنسان لا يستطيع أن يعـيش حاضره ولا أن يدرك مستقبله إلا بعـد أن يأخذ الدروس والعـبر من ماضيه .
 ونحن أمة قد امتن الله عـليها بباقة عـطرة من الرجال الأفذاذ الأتقياء الذين يندر وجودهم فى أى أمة عـلى مدى العـصور والأزمان .

 إنه سعـد بن أبى وقاص أحد العـشرة المبشرين بالجنة وأحد السابقين الأولين الذين شهدوا المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عـليه وسلم وأحد الستة أهل الشورى وخال رسول الله صلى الله عـليه وسلم وبطل القادسية وفاتح المدائن ومطفئ نار المجوس المعـبودة إلى الأبد .

   ثباته عـلى الحق - رضى الله عـنه :

 لقد كان سعـد - رضى الله عـنه ، من أكرم فتيان مكة وأشرفهم نسباً ، وكان قلبه يحترق شوقاً إلى يد حانية تمتد لتخرج هؤلاء القوم من ظلمات الجاهلية وفساد المعـتقد إلى أنوار التوحيد والإيمان ، فلقد كان العـرب قبل بعـثة النبى صلى الله عـليه وسلم عـلى أسوأ حال عـلى مدى العـصور والأزمان .
 وأراد الحق - جل جلاله ، الخير بهذه الأمة فأشرق نور الوحى فى أرجاء مكة ليضئ للكون كله طريقه إلى الله - جل وعـلاء وعـلى الرغم من أن سعـداً كان يؤمئذ يستقبل ربيعـه السابع عـشر ، فقد كان يضم بين بردية كثيراً من رجاحة الكهول وحكمة الشيوخ .
 فلم يكن ، مثلا ، يرتاح إلى ما يتعـلق به لداته من ألوان اللهو ، وإنما كان يصرف همه إلى برى السهام وإصلاح القسى والتمرس بالرماية حتى لكأنه كان يعـد نفسه لأمر كبير .
 والهداية أولاً وآخرا ( منحة ربانية يقذفها الله فى قلب من يشاء من عـباده ) .
 فقذف الله نور الهداية فى قلب سعـد - رضى الله عـنه ، فأسرع إلى الإسلام حتى إنه كان يقول : ما أسلم أحد إلا فى اليوم الذى أسلمت فيه ، ولقد مكثت سبعـة أيام ، وإنى لثلث الإسلام .
 وقال يوسف بن الماجشون : سمعـت عـائشة بنت سعـد تقول : مكث أبى يوماً إلى الليل وإنه لثلث الإسلام .
 لكن إسلام سعـد أبى وقاص لم يمر سهلاً هينا ، وإنما عـرض الفتى المؤمن لتجربة من أقسى التجارب قسوة وأعـنفها عـنفا ، حتى إنه بلغ من قسوتها وعـنفها أن أنزل الله سبحانه فى شأنها قرآنا .
 فعـن أبى عـثمان أن سعـداً قال : نزلت هذه الآية فى ( وإن جاهداك لتشرك بى ما ليس لك به عـلم فلا تطعـهما ) قال : كنت برا بأمى ، فلما أسلمت ، قالت : يا سعـد ما هذا الدين الذى قد أحدثت ؟ لتدعـن دينك هذا ، أو لا آكل ، ولا أشرب ، حتى أموت ، فتعـير بى ، فقال : يا قاتل أمه ، قلت : لا تفعـلى يا أمه ، إنى لا أدع دينى هذا لشئ ، فمكثت يوماً لا تأكل ولا تشرب وليلة ، وأصبحت وقد جهدت ، فلما رأيت ذلك ، قلت : يا أمه تعـلمين والله لو كان لك مئة نفس ، فخرجت نفسا نفسا ما تركت دينى ، وإن شئت فكلى أو لا تأكلى ، فلما رأت ذلك أكلت ) .
 ولقد بذل سعـد - رضى الله عـنه ، نفسه وماله فى سبيل الله .
 وكان الحبيب صلى الله عـليه وسلم يحبه من كل قلبه حتى إنه كان يفتخر بأنه خاله .
 فعـن جابر قال : كنا جلوساً عـند النبى صلى الله عـليه وسلم فأقبل سعـد بن أبى وقاص فقال صلى الله عـليه وسلم : ( هذا خالى فليرنى امرؤ خاله ) .
 بل كان - رضى الله عـنه ، ممن فازوا بتلك المنقبة العـظيمة ، فعـن عـبدالله ابن ظالم قال : خطب المغـيرة فنال من ( عـلى ) فخرج سعـيد بن زيد فقال : ألا تعـجب من هذا يسب عـلياً ، أشهد عـلى رسول الله صلى الله عـليه وسلم أنا كنا عـلى حراء أو أحد ، فقال رسول الله صلى الله عـليه وسلم : ( أثبت حراء أو أحد ، فإنما عـليك نبى أوصديق أو شهيد ) فسمى النبى ، وأبا بكر ، وعـمر ، وعـثمان ، وعـلياً ، وطلحة ، والزبير ، وسعـداً ، وعـبدالرحمن ، وسمى سعـيد نفسه - رضوان الله عـليهم .
 بل لقد كان من الذين أمر الله نبيه صلى الله عـليه وسلم بأن يقربهم منه ، فعـن سعـد قال : كنا مع النبى صلى الله عـليه وسلم ستة فر فقال المشركون للنبى صلى الله عـليه وسلم : اطرد هؤلاء لا يجترئون عـلينا ، قال : وكنت أنا وابن مسعـود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما فوقع فى نفس رسول الله صلى الله عـليه وسلم ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه فأنزل الله - عـزوجل ( ولا تطرد الذين يدعـون ربهم بالغـداة والعـشى يريدون وجهه ) .
 وكان سعـد - رضى الله عـنه ، هو أول من رمى بسهم فى سبيل الله ، عـن الزهرى قال : بعـث رسول الله صلى الله عـليه وسلم سرية فيها سعـد بن أبى وقاص إلى جانب من الحجاز يدعـى ( رابغ ) وهو من جانب الجحفة ، فانكفأ المشركون عـلى المسلمين ، فحماهم سعـد يؤمئذ بسهامه ، فكان هذا أول قتال فى الإسلام ن فقال سعـد :
      ألا هل أتى رسول الله أنى                حميت صحابتى بصدور نبلى
      فما يعـتد رام فى عـدو                 بسهم يا رسول الله قبلى


 
  حارس النبى صلى الله عـليه وسلم :

 لقد بلغـت محبة النبى صلى الله عـليه وسلم فى قلب سعـد مبلغـاً عـظيماً حتى إنه كان يتمنى أن يفديه بنفسه وولده وماله والدنيا كلها .
 عـن عـائشة قالت : أرق رسول الله صلى الله عـليه وسلم ذات ليلة فقال : ليت رجلاً صالحا من أصحابى يحرسنى الليلة ، قالت : فسمعـنا صوت السلاح ، فقال رسول الله : من هذا ؟ قال سعـد بن أبى وقاص : أنا يا رسول الله جئت أحرسك ، فنام رسول الله صلى الله عـليه وسلم حتى سمعـت غـطيطه .

  اللهم اشف سعـداً وأتمم له هجرته :

 وكان الحبيب صلى الله عـليه وسلم يبادله هذا الحب ويخصه بزيارته له .
 عـن عـائشة بنت سعـد ، أن أباها قال : تشكيت بمكة شكوى شديدة ، فجاءنى النبى صلى الله عـليه وسلم يعـودنى ، يزورنى ، فقلت : يا نبى الله ، إنى أترك مالا ً ، وإنى لم أترك إلا بنتا واحدة ، فأوصى بثلثى وأترك الثلث ؟ قال : لا ، قلت : فأوصى بالنصف وأترك النصف ؟ قال : لا ، قلت : فأوصى بالثلث ، وأترك الثلثين ؟ قال : الثلث والثلث كثير ، ثم وضع يده عـلى جبهته ، ثم مسح يده عـلى وجهى وبطنى ، ثم قال : اللهم اشف سعـداً ، وأتمم له هجرته فما زلت أجد برده عـلى كبدى فيما يخال إلى حتى الساعـة ) .
 ولما توفى رسول الله صلى الله عـليه وسلم ولحق بالرفيق الأعـلى ظل سعـد عـلى عـهده زاهداً عـابداً مجاهداً فى سبيل الله .
 وكان الصحابة يعـرفون له قدره ومنزلته .

  الله يستجيب دعـاءه - رضى الله عـنه :

 ولقد امتن الله عـليه بأن جعـله مستجاب الدعـوة ، وذلك ببركة دعـاء النبى صلى الله عـليه وسلم له عـندما قال : ( اللهم استجب لسعـد إذا دعـاك ) .
 وفى عـهد أمير المؤمنين عـمر - رضى الله عـنه ، شكا أهل الكوفة سعـداً - رضى الله عـنه وقالوا : أنه لا يحسن يصلى ، فقام سعـد وقال : ( إنى لأول العـرب رمى بسهم فى سبيل الله وكنا نغـزو مع النبى صلى الله عـليه وسلم وما لنا طعـام إلا ورق الشجر، حتى إن أحدنا ليضع كما يضع البعـير أو الشاة ما له خلط ن ثم أصبحت بنو أسد تعـزرنى عـلى الإسلام لقد خبت إذا وضل عـملى .
 وفى رواية عـن جابر بن سمرة - رضى الله عـنه ، قال : ( شكا أهل الكوفة سعـداً إلى عـمر - رضى الله عـنه ، فعـزله واستعـمل عـليهم عـماراً فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلى فأرسل إليه ، فقال : يا أبا إسحاق إن هؤلاء يزعـمون أنك لا تحسن تصلى قال أبو إسحاق : أما أنا والله فإنى كنت أصلى بهم صلاة رسول الله صلى الله عـليه وسلم ما أخرم عـنها ، أصلى العـشاء فأركد فى الأوليين وأخف فى الأخريين قال : ذاك الظن بك يا أبا إسحاق ، فأرسل معـه رجلاً أو رجالا إلى الكوفة فسأل عـنه أهل الكوفة ولم يدع مسجداً إلا سأل عـنه ويثنون معـروفاً حتى دخل مسجداً لبنى عـبس ، فقام رجل منهم يقال له أسامة ابن قتادة يكنى أبا سعـد قال : أما إذ نشدتنا فإن سعـداً كان لا يسير بالسرية ولا يقسم بالسوية ولا يعـدل فى القضية ، قال سعـد : أما والله لأدعـون بثلات : اللهم إن كان عـبدك هذا كاذبا قام رياء وسمعـة فأطل عـمره وأطل فقره وعـرضه للفتن ، وكان بعـد إذا سئل يقول : شيخ كبير مفتون أصابتنى دعـوة سعـد ، قال عـبدالملك : فأنا رأيته بعـد قد سقط حاجباه عـلى عـينيه من الكبر ، وإنه ليتعـرض للجوارى فى الطرق يغـمزهن .

  خوفهم من دعـائه عـليهم :

 وكان الناس من حوله يخافون من دعـائه عـليهم لعـلمهم بأن الله - جل وعـلا يستجيب دعـاءه فى التو واللحظة .
 عـن سعـيد بن المسيب قال : كنت جالساً مع سعـد فجاء رجل يقال له الحارث بن برصاء وهو فى السوق ، فقال له : يا أبا إسحاق إنى كنت آنفاً عـند مروان فسمعـته وهو يقول : إن هذا المال مالنا نعـطيه من شئنا قال : فرفع سعـد يده وقال : أفأدعـو ؟ فوثب مروان وهو عـلى سريره فاعـتنقه وقال : أنشدك يا أبا إسحاق ألا تدعـو فإنما هو مال الله .
 وعـن سعـيد بن المسيب قال : خرجت جارية لسعـد عـليها قميص جديد ن فكشفتها الريح ، فشد عـمر عـليها بالدرة وجاء سعـد ليمنعـه ، فتناوله بالدره ، فذهب سعـد يدعـو عـلى عـمر ، فناوله الدرة وقال : اقتص ، فعـفا عـن عـمر
 وكان عـمر - رضى الله عـنه ، يحبه ويعـرف له قدره ومنزلته ، فعـن عـبدالله ابن عـمر ، عـن سعـد بن أبى وقاص ، عـن النبى صلى الله عـليه وسلم أنه مسح عـلى الخفين ، وأن عـبدالله بن عـمر سأل عـمر عـن ذلك فقال : إذا حدثك شيئاً سعـد عـن النبى صلى الله عـليه وسلم فلا تسأل عـنه غـيره .

  جهاده فى سبيل الله تعـالى :

 ولقد شهد سعـد - رضى الله عـنه ، مع رسول الله صلى الله عـليه وسلم المشاهد كلها وأبلى فيها بلاء حسناً .
 قال ابن مسعـود - رضى الله عـنه ، لقد رأيت سعـداً يقاتل يوم بدر قتال الفارس فى الرجال .
 وعـن عـامر الشعـبى ، قال : قيل لسعـد بن أبى وقاص : متى أصبت الدعـوة ؟ قال : يوم بدر ، كنت أرمى بين يدى النبى صلى الله عـليه وسلم فأضع السهم فى كبد القوس ، ثم أقول : اللهم زلزل أقدامهم ، وأرعـب قلوبهم ، وافعـل بهم ، وافعـل ، فيقول النبى صلى الله عـليه وسلم ( اللهم استجب لسعـد ) .
 وفى غـزوة أحد عـندما عـصى الرماة أمر رسول الله صلى الله عـليه وسلم وتركوا الجبل فأستطاع المشركون أن ينقضوا عـلى المسلمين وأن يحدثوا فيهم مقتلة عـظيمة وأرادوا بعـد ذلك قتل الحبيب صلى الله عـليه وسلم فثبت معـه سعـد بن أبى وقاص مع ثلة من الأنصار وطلحة بن عـبيدالله .
 وكان سعـد - رضى الله عـنه ، يرمى بالنبل دفاعـاً عـن رسول الله صلى الله عـليه وسلم .
 قال سعـد : ( فلقد رأيته صلى الله عـليه وسلم يناولنى النبل وهو يقول : ارم فداك أبى وأمى ، حتى إنه ليناولنى السهم ما له من نصل ، فيقول : ارم به .
 وعـن عـلى رضى الله عـنه ، قال : ( ما سمعـت النبى صلى الله عـليه وسلم جمع أبويه لأحد إلا لسعـد ابن مالك ، فإنى سمعـته يقول يوم أحد : يا سعـد ارم فداك أبى وأمى ) .
 وعـن سعـد - رضى الله عـنه ، قال : كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين ، فقال رسول الله : ( ارم فداك أبى وأمى ) فنزعـت بسهم ليس فيه نصل ، فاصبت جبهته ، فوقع وانكشفت عـورته ، فضحك رسول الله صلى الله عـليه وسلم حتى بدت نواجذه ) .
 بل إنه - رضى الله عـنه ، رأى الملائكة يوم أحد .
 عـن سعـد - رضى الله عـنه قال : ( رأيت رسول الله صلى الله عـليه وسلم يوم أحج ومعـه رجلان يقاتلان عـنه ، عـليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعـد .
 قال الحافظ : هما جبريل وميكائيل .
 وظل سعـد - رضى الله عـنه ، يشهد المشاهد مع رسول الله صلى الله عـليه وسلم ثابتا حتى توفى رسول الله وبقى سعـد عـلى عـهده الذى كان عـليه يشهد المشاهد مع أبى بكر وعـمر - رضى الله عـنهم جميعـا ، حتى كانت الفتوحات الإسلامية فى عـهد عـمر - رضى الله عـنه ، وهنا قام سعـد - رضى الله عـنه ، كالأسد الضارى يشق صفوف الأعـداء ليحقق للإسلام أعـظم الانتصارات .
 لما تجهز الفرس لقتال العـرب ، قال عـمر بن الخطاب ( والله لأضربن ملوك العـجم بملوك العـرب ) وكتب عـمر إلى عـماله ( لا تدعـوا أحداً له سلا أو فرس أو نجدة أو رأى إلا انتخبتموه ن ثم وجهتموه إلى والعـجل العـجل ) وأراد عـمر أن يتولى قيادة هذا الجيش فصرفه عـن ذلك أهل مشورته ، فجمع عـمر الناس وقال لهم ( إنى كنت عـزمت عـلى المسير حتى صرفنى ذوو الرأى منكم ، وقد رأيت أن أقيم وأبعـث رجلاً ، فأشيروا عـلى برجل ) ، وكان سعـد يومذاك عـلى صدقات ( هوازن ) فلما وصل كتاب منه ، حين كان عـمر يستشير الناس فيمن يبعـثه ، فقال عـمر : وجدته ، قالوا : من هو ؟ قال : ( الأسد عـاديا سعـد بن مالك ) وقال : ( إنه شجاع رام ) .
 وقال عـبدالرحمن بن عـوف ( الأسد فى براثنه : سعـد بن مالك الزهرى ) .
 ويستدعـى عـمر سعـداً ويقول له : ( إنى قد وليتك حرب العـراق ، فاحفظ وصيتى ، فإنك تقدم عـلى أمر شديد كريه ، لا يخلص منه إلا الحق ، فعـود نفسك ومن معـك الخير ، واستفتح به ، واعـلم أن لكل عـدة عـتاداً وعـتاد الخير الصبر ، فاصبر عـلى ما أصابك ) .
 وفى القادسية نظم سعـد الجيش ، وعـبأه للحرب ، وجعـل عـلى كل عـشرة رجال عـريفا ، وأمر عـلى الرايات رجالا من أهل السابقة ، وولى الحروب رجالا ، فولى عـلى مقدماتها ومجنباتها وساقاتها وطلائعـها ومشاتها وفرسانها ، ولم يتقدم بعـد ذلك إلا عـلى تعـبية ، حتى يحول دون مباغـته العـدو لقواته .
 ولم ينس سعـد القضايا الإدارية فى جيشه ، فعـين مسئولاً عـن القضاء ، وجعـله مسئولاً عـن قسمه الفئ أيضا ، وعـين مسئولاً عـن الوعـظ والإرشاد ، وعـين مترجما يجيد اللغـة الفارسية ، كما عـين كاتبا تنتهى إليه الأمور الكتابية .
 ووصل جيش المسلمين القادسية فبعـث عـيونه ليعـلموا له خبر أهل فارس ، ثم أرسل بعـض المفارز للإغـارة عـلى المناطق المجاورة ، فعـادت كلها بالفتح والغـنائم والسلامة ، وأرسل وفوداً من رجالات المسلمين إلى ( كسرى ) وإلى ( رستم ) يفاوضونهما ويعـرضون عـليهما مطالب المسلمين : الإسلام أو الجزية أو السيف ، فكان لهذه الوفود تأثير معـنوى حاسم عـلى كسرى وقائده رستم .
 وتهيأ الفريقان للقتال ، وقبل أن يأذن سعـد بالقتال ، بعـث ذوى الرأى والعـقل والنجدة إلى الناس ، ليحرضوهم عـلى القتال ، وأمر سعـد بقراءة سورة الجهاد وهى سورة الأنفال ، فلما قرئت هشت قلوب الناس وعـيونهم وعـرفوا السكينة مع قراءتها .
 ونادى منادى سعـد فى جيشه : ( ألا إن الحسد لا يحل إلا عـلى الجهاد فى أمر الله يا أيها الناس ، فتحاسدوا وتغـايروا عـلى الجهاد ) .
 وتحالفت الأمراض عـلى البطل القائد العـام ( سعـد ) فأصابته بعـرق النساء وبحبون ودماميل منعـته من الركوب ، بل حتى من الجلوس ، فلم يستطع أن يركب ولا أن يجلس فأعـتلى القصر وأكب من فوقه عـلى وسادة فى صدره يشرف عـلى الناس ، وأسفل منه فى الميدان خليفته ، ( خالد بن عـرفطة ) يرمى إليه من أعـلى بالرقاع فيها أمره ونهيه ، وكان آخر صفوف المسلمين إلى جانب القصر .
 وأكب سعـد عـلى وجهه مطلعـا عـلى جيشه ، فخطبهم وقال : ( إن الله هو الحق ، لا شريك له فى الملك ، وليس لقوله خلف قال جل ثناؤه ( ولقد كتبنا فى الزبور من بعـد الذكر أن الأرض يرثها عـبادى الصالحون ) .
 إن هذا ميراثكم وموعـود ربكم وقد أباحها لكم منذ ثلاث حجج ن فأنتم تطعـمون منها ، وتأكلون منها وتقتلون أهلها وتجبونهم وتسبونهم إلى هذا اليوم ، بما نال منهم أصحاب الأيام منكم ، ولقد جاءكم منهم هذا الجمع ، وأنتم وجوه العـرب وأعـيانهم وخيار كل قبيلة وعـز من وراءكم ، فإن تزهدوا فى الدنيا وترغـبوا فى الآخر جمع الله لكم الدنيا والآخرة ، ولا يقرب ذلك أحداً إلى أجله ، وإن تفشلوا وتهنوا وتضعـفوا تذهب ريحكم وتوبقوا آخرتكم ) ثم قال : ( إنى قد استخلفت عـليكم خالد بن عـرفطة ، وليس يمنعـنى أن أكون مكانه إلا وجعـى الذى يعـودنى وما بى من الحبون ، فإنى مكب عـلى وجهى وشخصى لكم باد ، فاسمعـوا له وأطيعـوا ، فإنه إنما يأمركم بأمرى ، ويعـمل برأيى ) .
 قال الطبرى ( فقرى عـلى الناس فزادهم خيراً ، وانتهوا إلى رأيه ، وقبلوا منه ، وتحادثوا عـلى السمع والطاعـة ، وأجمعـوا عـلى عـذر سعـد والرضا بما صنع ) .
 لك الله أيها ( اليث فى براثنه ) تدير أشرس المعـارك ، المعـركة الفاصلة ، وأنت منبطح عـلى وجهك فى شرفتك ، وباب دارك مفتوح وأقل هجوم من الفرس عـلى الدار يسقطك فى أيديهم حيا أو ميتا .
 دماملك تنبح وتنزف ، وأنت عـنها فى شغـل ، فأنت من الشرف تكبر ، وتصيح أوامرك لجنودك ( الزموا مواقفكم ، لا تحركوا شيئا حتى تصلوا الظهر ، فإذا صليتم الظهر فإنى مكبر تكبيرة ، فكبروا وشدوا شسع نعـالكم واستعـدوا ، واعـلموا أن التكبير لم يعـطه أحد قبلكم ، واعـلموا أنما أعـطيتموه تأييداً لكم ، فإذا كبرت الثانية فكبروا وتهيأوا ولتستتم عـدتكم ، فإذا كبرت الثالثة فكبروا ، ولينشط فرسانكم الناس ليبرزوا ويطاردوا ، فإذا كبرت الرابعـة فشدوا النواجذ عـلى الأضراس ، واحملوا وازحفوا جميعـا حتى تخالطوا عـدوكم وقولوا ( لاحول ولا قوة إلا بالله ) .
 وبعـد ثلاثة أيام ونصف يوم تهاوى جنود الفرس كالذباب المترنح ن وتهاوت معـهم الوثنية وعـبادة النار .
 إن المسلمين لم يلقوا فى جميع حروبهم ، باستثناء بلاط الشهداء فى فرنسا ، مقاومة أعـنف مما لقوا من الفرس فى معـركة القادسية ، فلقد صبر الفرس فى هذه المعـركة صبراً عـجيباً وغـير معـهود منهم ن وأظهروا قدرة قتالية فائقة ، وأجبروا العـرب عـلى أن يقاتلوا فى هذه المعـركة أربعـة أيام ، وخسر المسلمون فى القادسية أكثر من خمسة وعـشرين فى المائة من قواتهم .
 والقادسية أعـظم أثراً فى تاريخ الإنسانية من غـزوات تيمورلنك ونابليون ، بل من كل الغـزوات التى وقعـت إلى عـصرنا الحاضر ، لقد كشفت معـركة القادسية عـن معـدن ( سعـد ) النفيس وفرط شجاعـته ، وما إقامته بالقصر مع ما به من عـلة تمنعـه من مباشرة القتال إلا إفراطاً فى الشجاعـة ، فكما ذكر الراوية عـثمان بن رجاء السعـدى : ( ولو عـراه الصف فواق ناقة لأخذ برمته ، فوالله ما أكرثه هول تلك الأيام ولا أقلقه ) .
 وكتب سعـد إلى عـمر بخبر النصر عـلى المجوس فقال : ( أما بعـد ، فإن الله نصرنا عـلى أهل فارس ، ومنحهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم ، بعـد قتال طويل ، وزلزال شديد ، وقد لقوا المسلمين بعـدة لم ير الرأؤون مثل زهاتها ، فلم ينفعـهم الله بذلك ، بل سلبموه ، ونقله عـنهم إلى المسلمين ، واتبعـهم المسلمون عـلى الأنهار ، وعـلى طفوف الآجام ، وفى الفجاج ، وأصيب من المسلمين سعـد بن عـبيد القارئ ، وفلان وفلان ، ورجال من المسلمين ، لا نعـلمهم الله بهم عـالم ، كانوا يدوون بالقرآن ، إذا جن الليل دوى النحل ، وهم آساد الناس ، لا يشبههم الأسود ، ولم يفضل من مضى منهم من بقى إلا بفضل الشهادة إذ لم تكتب لهم ) .

   فتح البيت الأبيض :

 عـن جابر بن سمرة - رضى الله عـنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عـليه وسلم ( عـصبة من أمتى يفتحون البيت الأبيض ن بيت كسرى ) رواه أحمد ومسلم .
 وروى مسلم عـن جابر بن سمرة - رضى الله عـنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عـليه وسلم ( لتفتحن عـصابة من أمتى كنز آل كسرى الذى فى الأبيض ) .
 أمضى سعـد شهرين فى القادسية بعـد المعـركة ، وكاتب عـمر بن الخطاب ، رضى الله عـنه ، فيما يفعـل ، فكتب إليه عـمر بالمسير إلى ( المدائن ) عـاصمة كسرى ، وتحرك الجيش المنتصر باتجاه المدائن ، وسار المسلمون من نصر إلى نصر فى ( برس ) وفى بابل ، وفى ( بهرسير ) وبذلك أصبح جيش المسلمين فى الضفة المقابلة للمدائن ، وحاول سعـد أن يؤمن عـبور جيشه فى السفن ، فلم يقدر عـلى شئ منها ، لأن الفرس ضموا السفن ليحرموا المسلمين من الإفادة منها ، وكان النهر عـريضا طافحاً بالماء ، يقذف بالزبد لشدة جريانه ، وموجه متلاطم ، وزاد المد فيه ، وارتفعـت مياهه ارتفاعـاً كبيراً ، وفى ليلة من ليالى سعـد ، رأى رؤيا خلاصتها أن خيول المسلمين اقتحمت مياه دجلة الهادرة وعـبرت ، وقد أقبلت من المد بأمر عـظيم .

  عـبور لا مثيل له فى التاريخ :

 فصدق الرؤيا وعـزم عـلى عـبور النهر ، فجمع الجيش وقام فيهم خطيباً ، فحمد الله وأثنى عـليه وقال : ( إن عـدوكم قد اعـتصم منكم بهذا البحر ، فلا تخلصون إليه معـه ، وهم يخلصون إليكم إذا شاءوا فيناوشونكم فى سفنهم ، وليس وراءكم شئ تخافون أن تؤتوا منه ، فقد كفاكموه أهل الأيام ، وعـطلوا ثغـورهم ، وأفنوا ذادتهم ، وقد رأيت من الأوفق أن تبادروا جهاد العـدو بنياتكم قبل أن تحصركم الدنيا ، ألا إنى قد عـزمت عـلى قطع هذا البحر إليهم ، فقالوا جميعـاً : عـزم الله لنا ولك عـلى الرشد ، فافعـل ) .
 وندب سعـد الناس للعـبور ، ثم قال : ( من يبدأ ويحمى لنا الفراض ، لكيلا يمنعـونا من العـبور ) فانتدب عـاصم بن عـمرو التميمى ، وانتدب معـه ستمائة من أهل النجدات ، فعـبر هؤلاء المغـاوير ، وعـبر سعـد مع جيشه بعـدهم ن ففاجأوا أهل الفرس بأمر لم يكن فى حسابهم .
 سبحان الله ! نهر هادر لا يقل عـمق مياهه عـن ستة أمتار تخوضه الخيول سباحة وعـلى رأسها الفرسان يقاتلون .
 قال لهم سعـد وهم يخوضون ليصلوا إلى شاطئ أسبانير : ( قولوا : نستعـين بالله ونتوكل عـليه ، حسبنا الله ونعـم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العـلى العـظيم ) .
 لقد اقتحموا دجلة ما يكترثون ، وإنهم ليتحدثون أثناء عـبورهم النهر الهادر كما يتحدثون فى مسيرتهم عـلى الأرض .
 نجحت خطة سعـد نجاحاً يذهل له المؤرخون ، نجاحاً أذهل سعـداً نفسه وأذهل صاحبه ورفيقه فى المعـركة ( سلمان الفارسى ) ، ( عـامت بهم الخيل وسعـد يقول : حسبنا الله ونعـم الوكيل ، والله لينصرن الله وليه ، وليظهرن الله دينه ، وليهزمن الله عـدوه ، إن لم يكن فى الجيش بغـى أو ذنوب تغـلب الحسنات ) فقال له سلمان : ( الإسلام جديد ، ذللت لهم والله البحور ، كما ذلل لهم البر ، أما والذى نفسى بيده ليخرجن منه أفواجاً كما دخلوه أفواجاً ، لم تضع منهم شكيمة فرس ، فطبقوا الماء حتى ما يرى الماء من الشاطئ ، ولهم فيه أكثر حديثاً منهم فى البر لو كانوا فيه ، فخرجوا منه ، كما قال سلمان ، لم يفقدوا شيئاً ولم يغـرق منهم أحد ، إلا رجلاً من بارق يدعـى ( غـرقدة ) زال عـن ظهر فرس له شقراء ، قال أبو عـثمان النهدى : :انى أنظر إليها تنفض أعـرافها عـرياً والغـريق طاف ، فثنى القعـقاع عـنان فرسه إليه ، فأخذه بيده فجره حتى عـبر ، فقال البارقى وكان من أشد الناس : عـجز الأخوات أن يلدن مثلك يا قعـقاع ، وكان للقعـقاع فيهم خؤولة .

  ما تقاتلون إلا الجن :

  نظر جنود ( يزدجرد ) إلى هذه الخيل التى ملأت دجلة ن وجعـلوا يرددون بالفارسية ( ديوان آمد ) ويقول بعـضهم بعـض : ( والله ما تقاتلون الإنس وما تقاتلون إلا الجن ) .
 قال أبو عـثمان النهدى : ( طبقت دجلة خيلاً ودواب حتى ما يرى الماء من الشاطئ أحد ، فخرجت بنا خيلنا إليهم تنفض أعـرافها ، لها صهيل ، فلما رأى القوم ذلك انطلقوا لا يلوون عـلى شئ ) .
 وفزع يزدجرد ملك الفرس ، وما استطاع أن يخرج من باب قصره المواجه للشاطئ وكان بينه وبين الشاطئ ثلاثة كيلو مترات ، فدلاه من الشرفات الخلفية لقصره الأبيض فى زنبيل ، ليفر من المدائن ومعـه ألف طباخ وألف فهاد وألف بازيار .
 حتى خيولهم أصابها الرعـب نصراً لأنصار الله ، فقد جاء فى تاريخ الطبرى ( 4 \ 53 ) : ( أن أوائل كتيبه الأهوال بقيادة عـاصم أدرك رجالها مؤخرة المجوس ، وفيهم فارس منهم يعـترض عـلى طريق من طرقها ، يحمى مؤخرة أصحابه فى فرارهم ن وهو يضرب فرسه للإقدام فيحجم ، ثم يضربه للهرب فيتقاعـس ، حتى لحقه رجل من جيش سعـد يدعـى ثقيفاً من بنى عـدى بن طريف ، فضرب عـنقه وأخذ ما كان عـليه ، ودخل سعـد المدائن ، وانتهى إلى إيوان كسرى ، فأقبل يقرأ قوله تعـالى : ( كم تركوا من جنات وعـيون ، وزروع ومقام كريم ، ونعـمة كانو فيها فاكهين ، كذلك وأورثناها قوما آخرين ) .
 فالفتوحات الإسلامية إذن التى جرت فى العـراق ، وفى شرقه وشماله حتى نهاية سنة عـشرين الهجرية ، فتحها سعـد بنفسه ، أو أرسل إليها الجيوش والقادة لفتحها ،  وحتى الجيش الذى فتح نهاوند أرسله سعـد ، ولكن فتحها جرى بعـد عـزله .
 ولقد كان فتح سعـد لهذه البلاد فتحاً مستداماً ، لقد فتح سعـد العـراق ، وأكثر بلاد فارس ، وأذربيجان ، والجزيرة وبعـض أرمينية ، أى أنه فتح بصورة مباشرة العـراق الحديث ، وأكثر إيران بحدودها اليوم ، وفتح القسم الجنوبى من تركيا المتاخمة لإيران ، والقسم الواقع فى شمالى إيران والذى يحد روسيا وفوق ذلك مصر الكوفة وكوفها ، فأصبحت القاعـدة الأمامية للفتح الإسلامى فى الشرق كله ، وأمدت العـالم الإسلامى بعـدد ضخم من قادة الفتح والفاتحين .
 فرضى الله عـن سعـد الفاتح العـظيم .
 وأخيراً تبقى كلمة :
 سأل عـمر بن الخطاب - رضى الله عـنه ، فارس اليمن عـمرو بن معـد يكرب عـن سعـد فقال : ( متواضع فى خبائه ، عـربى فى نمرته ، أسد فى تاموره ، يعـدل فى القضية ، ويقسم بالسوية ، ويبعـد فى السرية ، يعـطف عـلينا عـطف الأم البرة ، وينقل إلينا حقنا نقل الذرة ) .
 وعـن عـمر أنه لما أصيب جعـل الأمر شورى فى الستة وقال : من استخلفوه فهو الخليفة بعـدى ، وإن أصابت سعـداً وإلا فليستعـن به الخليفة بعـدى ، فإننى لم أنزعـه ، يعـنى عـن الكوفة ، من ضعتف ولا خيانة .
 قال الزهرى : ولما استخلف عـثمان عـزل عـن الكوفة ( المغـيرة ) وأمر عـليها ( سعـداً ) .
 وبعـد مقتل عـثمان - رضى الله عـنه ، ووقعـت الفتنة وأطلت برأسها بين ( عـلى ) و ( معـاوية ) - رضى الله عـنهما ، وكان الصحابة مجتهدين ومتأولين ، والمجتهد إن أصاب فله أجران ، وإن أخطأ فله أجر واحد ، فلم يكن منهم واحد يريد سفك الدماء أو يريد زعـامة أو يريد دنيا ، وإنما كانوا جميعـاً يريدون وجه الله - فرضى الله عـنهم جميعـاً وأرضاهم.

   اعـتزاله للفتنة :

 وعـندما وقعـت الفتنة بين أصحاب الحبيب صلى الله عـليه وسلم ، اعـتزل سعـد - رضى الله عـنه ، تلك الفتنة وقال : ( ما أزعـم إنى بقميصى هذا أحق منى بالخلافة ، جاهدت وأنا أعـرف بالجهاد ولا انجع نفسى إن كان رجلاً خيراً منى ، لا أقاتل حتى يأتونى بسيف له عـينان ولسان فيقول : هذا مؤمن وهذا كافر ) .
 وعـن عـلى بن زيد عـن الحسن قال : لما كان الهيج فى الناس ، جعـل رجل يسأل عـن أفاضل الصحابة ، فكان لا يسأل أحداً إلا دله عـلى سعـد بن مالك .
 وروى عـمر بن الحكم : عـن عـوانة قال : دخل سعـد عـلى معـاوية ، فلم يسلم عـليه بالإمرة ، فقال معـاوية : لو شئت أن تقول غـيرها لقلت ، قال : فنحن المؤمنون ولم نؤمرك ، فإنك معـجب بما أنت فيه ، والله ما يسرنى أنى عـلى الذى انت عـليه وأنى هؤقت محجمة دم .
 وعـن عـمر بن سعـد ، عـن أبيه ، أنه جاءه ابنه عـامر ، فقال : ( إى بنى ، أفى الفتنة تأمرنى أن أكون رأساً ، لا والله ، حتى أعـطى سيفاً ، إن ضربت به مسلماً ، نبا عـنه ، وإن ضربت كافراً قتله ، سمعـت رسول الله صلى الله عـليه وسلم يقول : ( إن الله يحب الغـنى الخفى التقى ) .

  اعـتزل الفتنة ففاز بتلك المنقبة العـظيمة :

 وعـن حسين بن خارجة الأشجعـى قال : لما قتل عـثمان ، أشكلت على الفتنة ، فقلت : اللهم أرنى من الحق أمراً أتمسك به ، فرأيت فى النوم الدنيا والآخرة بينهما حائط ، فهبطت الحائط ، فإذا بنفر ، فقالوا : نحن الملائكة ، قلت : فأين الشهداء ، قالوا : أصعـد الدرجات ، فصعـدت درجة ثم أخرى ، فإذا محمد وأبراهيم ( صلى الله عـليهما ) وإذا محمد يقول لإبراهيم : استغـفر لأمتى ، قال : إنك لا تدرى ما أحدثوا بعـدك ، إنهم اهراقوا دماءهم ، وقتلوا إمامهم ، ألا فعـلوا كما فعـل خليلى سعـد .
 قال : قلت : لقد رأيت رؤيا فأتيت سعـداً ، فقصصتها عـليه ، فما أكثر فرحاً ، وقال : قد خاب من لم يكن إبراهيم - عـليه السلام - خليله ، فقلت : مع أى الطائفتين أنت ، قال : ما أنا مع واحد منهما ، قلت : فما تأمرنى ، قال : هل لك من غـنم ، قلت : لا ، قال : فاشتر غـنماً ، فكن فيها حتى تنجلى .
 وقال الإمام الذهبى ( اعـتزل سعـد الفتنة ، فلا حضر الجمل ولا صفين ولا التحكيم ، ولقد كان أهلاً للإمامة كبير الشأن - رضى الله عـنه .

   زهده فى الإمارة :

 وكان سعـد - رضى الله عـنه ، لا يطمع فى أى شئ من حطام الدنيا فهو يعـلم أن كل نعـيم دون الجنة فهو سراب ، وأن كل عـذاب دون النار فهو عـافية ، فكان لا تطمح نفسه إلا فى جنة الرحمن ، جل وعـلا .
 عـن عـامر بن سعـد أن أباه سعـداً ، كان فى غـنم له ، فجاء ابنه عـمر ، فلما رآه قال : أعـوذ بالله من شر هذا الراكب ن فلما انتهى إليه ، قال : يا أبت أرضيت أن تكون أعـرابياً فى غـنمك ، والناس يتنازعـون فى الملك بالمدينة ، فضرب صدر عـمر ، وقال : اسكت ، فإنى سمعـت رسول الله صلى الله عـليه وسلم يقول : ( إن الله - عـز وجل ، يحب العـبد التقى الغـنى الخفى ) .

  دفاعـه عـن إخوانه :

 عـن مصعـب بن سعـد، عـن سعـد أن رجلاً نال من ( عـلى ) - رضى الله عـنه ، فدعـا عـليه سعـد بن مالك ، فجاءته ناقة أو جمل فقتله فأعـتق سعـد نسمة وحلف أن لا يدعـو عـلى أحد .
 وفى رواية : عـن قيس بن أبى حازم قال : كنت بالمدينة فبينا ، فبينما ، أنا أطوف فى السوق إذ بلغـت أحجار الزيت فرأيت قوماً مجتمعـين عـلى فارس قد ركب دابة وهو يشتم عـلى بن أبى طالب والناس وقوف حواليه إذ أقبل سعـد بن أبى وقاص فوقف عـليهم فقال : ما هذا ؟ فقالوا : رجل يشتم عـلى بن أبى طالب ؟ ألم يكن أول من أسلم ، ألم يكن أول من صلى مع رسول الله صلى الله عـليه وسلم ؟ ألم يكن أزهد الناس ؟ ألم يكن أعـلم الناس ؟ وذكر حتى قال : ألم يكن ختن رسول الله عـلى ابنته ؟ ألم يكن صاحب راية رسول الله صلى الله عـليه وسلم فى غـزواته ؟ ثم استقبل القبلة ورفع يديه وقال : اللهم إن هذا يشتم ولياً من أوليائك فلا تفرق هذا الجمع حتى تريهم قدرتك ، قال قيس : فوالله ما تفرقنا حتى ساخت به دابته فرمته عـلى هامته فى تلك الأحجار فانفلق دماغـه ومات .

  صبره عـلى البلاء :

 لما قدم سعـد بن أبى وقاص مكة ، وقد كان كف بصره ، جاءه الناس يهرعـون إليه كل واحد يسأله أن يدعـو له فيدعـو لهذا ولهذا ، وكان مجاب الدعـوة ، قال عـبدالله بن السائب : فأتيته وأنا غـلام فتعـرفت عـليه فعـرفنى وقال : أنت قارئ أهل مكة ؟ قلت : نعـم ، فذكر قصة ، قال فى آخرها : فقلت له : يا عـم ، أنت تدعـو للناس فلو دعـوت لنفسك فرد عـليك بصرك ؟ فتبسم وقال : يا بنى قضاء الله سبحانه عـندى أحسن من بصرى .

  وحان وقت الرحيل :

 وبعـد حياة طويلة مليئة بالبذل والتضحية والجهاد فى سبيل الله نام سعـد - رضى الله عـنه ، عـلى فراش الموت ليسلم روحه إلى بارئها - جل وعـلا ، وليلحق بالحبيب صلى الله عـليه وسلم فى جنة الرحمن فهو من العـشرة المبشرين بالجنة
 عـن مصعـب بن سعـد أنه قال : كان رأس أبى فى حجرى ، وهو يقضى ، فبكيت ، فرفع رأسه إلى ، فقال : أى بنى ما يبكيك ؟ قلت : لمكانك وما أرى بك ، قال : لا تبك فإن الله لا يعـذبنى أبداً وإنى من أهل الجنة .
 قال الإمام الذهبى : قلت : صدق والله ن فهنيئاً له .
 وعـن الزهرى أن سعـد بن أبى وقاص لما احتضر ، دعـا بخلق جبه صوف ، فقال : كفنونى فيها ، فإنى لقيت المشركين فيها يوم بدر ، وإنما خبأتها لهذا اليوم .
 وعـن أم سلمة أنها قالت : لما مات سعـد ، وجئ بسريره ، فأدخل عـليها ، جعـلت تبكى وتقول : بقية أصحاب رسول الله صلى الله عـليه وسلم .
 ومات سعـد فى قصره بالعـقيق عـلى عـشرة أميال من المدينة ، فحمل عـلى رقاب الرجال إلى المدينة وصلى عـليه مروان بن الحكم ، وهو يومئذ والى المدينة ، ثم صلى عـليه أزواج النبى صلى الله عـليه وسلم ، فى حجرهن ، ودفن بالبقيع .