عبد الرحمن بن عوف

 

 من الذين كتب الله لهم السعـادة والمغـفرة وهم فى بطون أمهاتهم .
 يا ترى من ذاك الرجل العـظيم الذى فاز بتلك المنقبة العـظيمة .
 إنه مشهد مهيب يرويه لنا ابنه .

 فعـن إبراهيم بن عـبدالرحمن ، قال : غـشى عـلى عـبدالرحمن بن عـوف فى وجعـه حتى ظنوا أنه قد فاضت نفسه ، حتى قاموا من عـنده ، وجللوه ، فأفاق يكبر ، فكبر أهل البيت ، ثم قال لهم : غـشى عـلى آنفا ، قالوا : نعـم ، قال : صدقتم ، انطلق بى فى غـشيتى رجلان أجد فيهما شدة وفظاظة ، فقالا : انطلق نحاكمك إلى العـزيز الأمين ، فانطلقا بى حتى لقيا رجلاً ، قال : أين تذهبان بهذا ، قالا : نحاكمه إلى العـزيز الأمين ، فقال : ارجعـا ، فإنه من الذين كتب الله لهم السعـادة والمغـفرة وهم فى بطون أمهاتهم ، وإنه سيمتع به بنوه إلى ما شاء الله ، فعـاش بعـد ذلك شهر .

 إنه الصحابى الجليل عـبدالرحمن بن عـوف الذى كان اسمه فى الجاهلية عـبد عـمرو ، وقيل : عـبدالحارث ، وقيل عـبد الكعـبة ، فسماه رسول الله صلى الله عـليه وسلم عـبدالرحمن .
 أمه : الشفاء بنت عـوف ، أسلمت وهاجرت .
 أسلم عـبدالرحمن قديما قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عـليه وسلم دار الأرقم ، وهاجر إلى أرض الحبشة والهجرتين ، وشهد المشاهد كلها ، وثبت مع رسول الله صلى الله عـليه وسلم يوم أحد ، وصلى رسول الله صلى الله عـليه وسلم خلفه فى غـزوة تبوك .
 وهو أحد العـشرة ، وأحد الستة أهل الشورى ، وأحد السابقين البدريين ، القرشى الزهرى ، وهو أحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام .

 عـفاف يعـجز القلم عـن وصفه :

 لقد كان من أهم الدعـائم التى أقام بها النبى صلى الله عـليه وسلم دولته المسلمة ، تلك المؤاخاة التى أوجدها بين المهاجرين والأنصار ، وكان من بين هؤلاء الذيى آخى النبى صلى الله عـليه وسلم بينهم ( سعـد بن الربيع الأنصارى ، وعـبدالرحمن بن عـوف المهاجرى ) .
 فعـن أنس - رضى الله عـنه ، قال : قدم عـبدالرحمن بن عـوف فآخى النبى صلى الله عـليه وسلم بينه وبين سعـد بن الربيع الأنصارى ، فعـرض عـليه أن يناصفه أهله وماله ، فقال عـبدالرحمن : بارك الله لك فى أهلك ومالك .

 وعـن إبراهيم بن سعـد عـن أبيه عـن جده قال : ( لما قدموا المدينة آخى رسول الله صلى الله عـليه وسلم بين عـبدالرحمن وسعـد بن الربيع ، قال لعـبد الرحمن : إنى أكثر الأنصار مالاً فاقسم مالى نصفين ، ولى امرأتان فانظر أعـجبهما إليك فسمها لى أطلقها ، فإذا انقضت عـدتها فتزوجها ، قال : بارك الله لك فى أهلك ومالك ، أين سوقكم ، فدلوه عـلى سوق بنى قينقاع ، فما انقلب إلا ومعـه فضل من أقط وسمن ، ثم تابع الغـدو يوماً ، ثم جاء يوماً وبه أثر صفرة ، فقال النبى صلى الله عـليه وسلم ( مهيم ) قال : تزوجت ، قال : كم سقت إليها ، قال : نواة من ذهب أو وزن نواة من ذهب

 مكانته فى قلب الصحابة - رضى الله عـنهم :

 لقد احتل عـبدالرحمن بن عـوف - رضى الله عـنه ، مكانة سامقة فى قلوب الصحابة رضى الله عـنهم جميعـاً .
 فعـن المسور أنه قال : بينما أنا أسير فى ركب بين عـثمان وعـبدالرحمن قدامى وعـليه خميصة سوداء فقال عـثمان : من صاحب الخميصة السوداء ، قالوا : عـبدالرحمن ، قال : فنادانى عـثمان فقال : يا مسور قلت : لبيك يا أمير المؤمنين فقال : من زعـم انه خير من خالك فى الهجرة الأولى وفى الهجرة الآخرة فقد كذب .

 وعـن ابن عـباس - رضى الله عـنهما قال : جلسنا مع عـمر فقال : هل سمعـت عـن رسول الله صلى الله عـليه وسلم شيئاً أمر به المرء المسلم إذا سها فى صلاته ، كيف يصنع ، فقلت : لا والله ، أو ما سمعـت أنت يا أمير المؤمنين من رسول الله فى ذلك شيئاً ، فقال : لا والله ، فبينا نحن فى ذلك أتى عـبدالرحمن بن عـوف فقال : فيم أنتما ، فقال عـمر : سألته ، فأخبره ، فقال له عـبدالرحمن : لكنى قد سمعـت رسول الله يأمر فى ذلك ،فقال له عـمر : فأنت عـندنا عـدل ، فماذا سمعـت ، قال : سمعـت رسول الله صلى الله عـليه وسلم يقول : ( إذا سها أحدكم فى صلاته حتى لا يدرى أزاد أو نقص ، فإن كان شك فى الواحدة والثنتين ، فليجعـلها واحدة ، وإذا شك فى الثنتين أو الثلاث ، فليجعـلها ثنتين ، وإذا شك فى الثلاث والأربع ، فليجعـلها ثلاثاً حتى يكون الوهم فى الزيادة ، ثم يسجد سجدتين ، وهو جالس ، قبل أن يسلم ثم يسلم .
 قال الإمام الذهبى : فأصحابت رسول الله صلى الله عـليه وسلم وإن كانوا عـدولاً فبعـضهم أعـدل من بعـض وأثبت ، فهنا عـمر قنع بخبر عـبدالرحمن .

 جملة من مناقبة - رضى الله عـنه :

 تالله لا أدرى كيف أكتب عـن مناقب هذا الصحابى الجليل الذى يجعـل القلم متحيراً من كثرة مناقبة .
 ولكنى وجدت أن كل المناقب لا توازى وإن اجتمعـت تلك المنقبة العـظيمة ألا وهى صلاة النبى صلى الله عـليه وسلم خلفه

 فعـن المغـيرة بن شعـبة أنه غـزا مع رسول الله صلى الله عـليه وسلم تبوك ، قال ( المغـيرة ) : فتبرز رسول الله قبل الغـائظ ، فحملت معـه إداوة قبل صلاة الفجر ، فلما رجع رسول الله صلى الله عـليه وسلم إلى أخذت أهريق عـلى يديه من الإداوة وغـسل يديه ثلاث مرات ثم غـسل وجه ثم ذهب يخرج جبته عـن ذراعـيه فضاق كما جبته فأدخل يديه فى الجبة حتى أخرج ذراعـيه من أسفل الجبة وغـسل ذراعـيه إلى المرفقين ثم توضأ عـلى خفيه ثم أقبل .

 قال المغـيرة : فأقبلت معـه حتى نجد الناس قد قدموا عـبدالرحمن بن عـوف فصلى لهم فأدرك رسول الله صلى الله عـليه وسلم إحدى الركعـتين فصلى مع الناس الركعـة الآخرة ، فلما سلم عـبدالرحمن بن عـوف قام رسول الله صلى الله عـليه وسلم يتم صلاته فأفزع ذلك المسلمين فأكثروا التسبيح فلما قضى النبى صلى الله عـليه وسلم صلاته أقبل عـليهم ثم قال : ( أحسنتم ) أو قال ( أصبتم ) يغـبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها .

 وفى رواية : عـن عـمرو بن وهب الثقفى ، قال : كنا مع المغـيرة بن شعـبة ، فسئل : هل أم النبى صلى الله عـليه وسلم أحد من هذه الأمة غـير أبى بكر ، فقال : نعـم ، فذكر أن النبى صلى الله عـليه وسلم توضأ ومسح عـلى خفيه وعـمامته ، وأنه صلى خلف عـبدالرحمن بن عـوف ، وأنا معـه ، ركعـة من الصبح وقضينا الركعـة التى سبقنا .
 ومن مناقبه أن النبى صلى الله عـليه وسلم شهد له بالجنة ، وأنه من أهل بدر الذين قيل لهم ( أعـملوا ما شئتم ) ومن أهل هذه الأية : ( لقد رضى الله عـن المؤمنين إذ يبايعـونك تحت الشجرة ) .

 وعـن أبى سعـيد قال : كان بين خالد بن الوليد وبين عـبدالرحمن بن عـوف شئ فسبه خالد ، فقال رسول الله صلى الله عـليه وسلم ( لا تسبوا أحداً من أصحابى فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه ) .
 وفى رواية : قال صلى الله عـليه وسلم : ( دعـوا لى أصحابى أو أصيحابى ، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً لم يدرك مد أحدهم ولا نصيفه ) .
 وعـن سعـيد بن زيد أن رسول الله صلى الله عـليه وسلم كان عـلى حراء ومعـه أبو بكر وعـمر وعـثمان وعـلى وطلحة والزبير وسعـد وعـبدالرحمن بن عـوف ، فقال : ( اثبت حراء ن فإنما عـليك نبى أو صديق أو شهيد ) .
 وقال أبو عـمر بن عـبدالبر : كان مجدوداً فى التجارة ، خلف ألف بعـير ، وثلاثة آلاف شاة ومئة فرس وكان يزرع بالجرف عـلى عـشرين ناضحاً .
 قال الإمام الذهبى : قلت : هذا هو الغـنى الشاكر ، وأويس فقير صابر ، وأبو ذر أو أبو عـبيدة زاهد عـفيف .
 وعـن بسرة بنت صفوان : أن النبى صلى الله عـليه وسلم سألها : ( من يخطب أم كلثوم بنت عـقبة ) قالت : فلان وفلان وعـبدالرحمن بن عـوف ، فقال : ( أنكحوا عـبدالرحمن بن عـوف ، فإنه من خيار المسلمين ، ومن خيارهم من كان مثله) .

  انفاقه فى سبيل الله :

 لقد عـاش الصحابة - رضى الله عـنهم مع كل آية من آيات القرآن الكريم ، بل وتعـايشوا معـها .
 فها هو عـبدالرحمن بن عـوف يستمع إلى قوله تعـالى : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شئ فإن الله به عـليم ) .
 وإلى قوله تعـالى : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعـدا عـليه حقا فى التوارة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعـهده من الله فاستبشروا بيعـكم الذى بايعـتم به وذلك هو الفوز العـظيم ) . فيسرع الخطا لينفق ماله لله - جل وعـلا ، رغـبة فيما عـند الله وزهداً فى تلك الدنيا الفانية التى لا تساوى عـند الله جناح بعـوضة .
 وعـن طلحة بن عـبدالله بن عـوف قال : كان أهل المدينة عـيالاً عـلى عـبدالرحمن ابن عـوف : ثلث يقرضهم ماله ، وثلث يقضى دينهم ، ويصل ثلثاً .
 وعـن عـروة أن عـبدالرحمن بن عـوف أوصى بخمسين ألف دينار فى سبيل الله ، فكان الرجل يعـطى منها ألف دينار.
 وعـن الزهرى أن عـبدالرحمن أوصى للبدريين ، فوجدوا مئة ، فأعـطى كل واحد منهم أربع مئة دينار ، فكان منهم عـثمان ، فأخذها .
 وعـن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عـليه وسلم : ( خيركم خيركم لأهلى من بعـدى ) قال : فباع عـبدالرحمن ابن عـوف حديقة بأربع ألف قسمها فى أزواج النبى صلى الله عـليه وسلم ) .
 وعـن أم سلمة - رضى الله عـنها قالت : سمعـت رسول الله صلى الله عـليه وسلم يقول لأزواجه : ( إن الذى يحنو عـليكن بعـدى لهو الصادق البار ، اللهم اسق عـبدالرحمن بن عـوف من سلسبيل الجنة ) .
 بل لقد تصدق عـبدالرحمن بن عـوف عـلى عـهد رسول الله صلى الله عـليه وسلم بشطر ماله ، ثم تصدق بعـد بأربعـين ألف دينار ، ثم حمل عـلى خمسمائة فرس فى سبيل الله وخمسمائة راحلة ، وكان أكثر ماله من التجارة وقيل : إنه أعـتق فى يوم واحد ثلاثين عـبداً ) .
 وعـن أنس قال : رأيت عـبدالرحمن بن عـوف ، قسم لكل امرأة من نسائه بعـد موته مئة ألف .


  زهده فى الدنيا ومحاسبته لنفسه :

 عـن سعـد بن إبراهيم ، عـن أبيه : أن عـبدالرحمن بن عـوف - رضى الله عـنه ، أتى بطعـام ، وكان صائماً فقال : قتل مصعـب بن عـمير - رضى الله عـنه ، وهو خير منى كفن فى بردة ، إن غـطى رأسه بدت رجلاه ، وإن غـطى رجلاه بدا ، أى ظهر رأسه ، وأراه قال : وقتل حمزنة - رضى الله عـنه ، وهو خير منى ، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط ، أو قال : أعـطينا من الدنيا ما أعـطينا ، وقد خشينا أن تكون حسناتنا قد عـجلت لنا ، ثم جعـل يبكى حى ترك الطعـام .

 زهده فى الإمارة والخلافة :

 وعـن عـبدالرحمن بن أزهر أن عـثمان أشتكى رعـافا ن فدعـا حمران فقال : اكتب لعـبدالرحمن العـهد من بعـدى ، فكتب له ، وانطلق حمران إلى عـبدالرحمن ، فقال : البشرى ، قال : وما ذاك ؟ قال : إن عـثمان قد كتب لك العـهد من بعـده ، فقال بين القبر والمنبر ، فدعـا ، فقال : اللهم إن كان من توليه عـثمان أياى هذا الأمر ، فأمتنى قبله ، فلم يمكث إلا ستة أشهر حتى قبضه الله .
 قال الذهبى : ( من أفضل أعـمال عـبدالرحمن بن عـوف : عـزله نفسه من الأمر وقت الشورى واختياره للأمة من أشار به أهل الحل والعـقد ، فنهض فى ذلك أتم نهوض عـلى جمع الأمة عـلى عـثمان ، ولو كان محابيا فيها ، لأخذها لنفسه أو لولاها ابن عـمه وأقرب الجماعـة إليه : سعـد بن أبى وقاص .

 تواضعـه - رضى الله عـنه :

 عـن سعـد بن الحسن التميمى ، قال : كان عـبدالرحمن بن عـوف لا يعـرف من بين عـبيده ، يعـنى : من التواضع فى الزى .
 رضى الله عـن صحابة رسول الله صلى الله عـليه وسلم الذين عـلموا فعـملوا ، عـلموا قول رسولهم صلى الله عـليه وسلم ( البذاذة من الإيمان ) والبذاذة : اللباس دون اللباس والتواضع ورثاثة الثياب فى الملبس والمفرش .
 وقد قال صلى الله عـليه وسلم ( من ترك اللباس تواضعـا لله ، وهو يقدر عـليه ، دعـاه الله يوم القيامة عـلى رؤوس الخلائق ، حتى يخيره من أى حلل الإيمان شاء يلبسها ) .
 ولله در القائل :
  ليس الجمال بمئزر   فاعـلم وإن رديت بردا
  إن الجمال معـادن   ومحاسن أورثن مجدا

 الدعـوة إلى الله :

 أخرج الدار قطنى عـن ابن عـمر - رضى الله عـنهما ، قال : دعـا النبى صلى الله عـليه وسلم عـبدالرحمن ابن عـوف - رضى الله عـنه ، فقال : ( تجهز فإنى باعـثك فى سرية ) فذكر الحديث وفيه : فخرج عـبدالرحمن حتى لحق بأصحابه ، فسار حتى قدم دومة الجندل ، فلما دخلها دعـاهم إلى الإسلام ثلاثة أيام ، فلما كان اليوم الثالث أسلم الأصبغ بن عـمرو الكلبى - رضى الله عـنه ، وكان نصرانيا وكان رأسهم ، فكتب عـبدالرحمن مع رجل من جهينة ، يقال له رافع بن مكيث ، إلى النبى صلى الله عـليه وسلم يخبره ، فكتب إليه النبى صلى الله عـليه وسلم ، أن تزوج ابنة الأصبغ ، فتزوجها وهي تماضر التى ولدت له بعـد ذلك أبا سلمة بن عـبدالرحمن .

 وحان وقت الرحيل :

 وها هو يرحل بكل هدوء بعـد حياة طويلة مليئة بالبذل والعـطاء والتضحية والجهاد فى سبيل الله بالنفس والمال .
 عـن سعـيد بن ابراهيم عـن أبيه قال : لقد رأيت سعـد بن أبى وقاص فى جنازة عـبدالرحمن بن عـوف عـند قائمتى السرير فجعـل يقول : واجبلاه .
 وعـن ابراهيم بن سعـد عـن أبيه عـن جده أنه قال : سمعـت عـلى بن أبى طالب يقول يوم مات عـبدالرحمن : اذهب ابن عـوف فقد أدركت صفوها وسبقت رنقها .
 عـاش - رضى الله عـنه ، خمساً وسبعـين سنة ، وتوفى سنة اثنتين وثلاثين ودفن بالبقيع وصلى عـليه عـثمان .