سعيد بن زيد

 

 أسد فى معـركة اليرموك ومن العـشرة المبشرين بالجنة :

 أحد العـشرة المشهود لهم بالجنة ، ومن السابقين الأولين البدريين ، ومن الذين رضى الله عـنهم ورضوا عـنه .
 شهد المشاهد مع رسول الله صلى الله عـليه وسلم ، ما خلا بدر ، وشهد حصار دمشق وفتحها فولاء عـليها أبو عـبيدة بن الجراح ، فهو أول من عـمل نيابة دمشق من هذه الأمة .

 والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه :

 لقد كان ( زيد بن عـمرو بن نفيل ) والد سعـيد بن زيد فريداً فى عـصره وزمانه ن فقد كان الناس يعـبدون الأصنام وهو يعـبد الواحد الديان ، فخرج من صلبه هذا الابن المبارك ( سعـيد بن زيد ) ليكون واحداً من العـشرة الذين بشرهم النبى صلى الله عـليه وسلم بالجنة .
 وكان ( زيد بن عـمرو ) يحيى الموءودة ، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته : مه ! لا تقتلها أنا أكفيك مؤنتها ، فيأخذها ، فإذا ترعـرعـت ، قال لأبيها : إن شئت دفعـتها إليك ، وإن شئت كفيتك مؤنتها .
 وكان يعـيب عـلى قريش ، ويقول : الشاة خلقها الله ، وأنزل لها من السماء ، وأنبت لها من الأرض ، ثم تذبحونها عـلى غـير اسم الله .

  رحلة التوحيد :

 اجتمعـت قريش يوماً فى عـيد لهم عـند صنم من أصنامهم كانوا يعـظمونه وينحرون له ، ويعـكفون عـنده ، ويدورون به وكان ذلك عـيداً لهم ( فى ) كل سنة يوماً ن فخلص منهم أربعـة ( نفر ) نجياً ، ثم قال بعـضهم لبعـض : تصادقوا وليكتم بعـضكم عـلى بعـض ، قالوا : أجل ن وهم : ورقة بن نوفل وعـبيد الله ابن جحش ، وكانت أمه أميمة بنت عـبد المطلب ، وعـثمان بن الحويرث ، وزيد ابن عـمرو بن نفيل ، فقال بعـضهم لبعـض : تعـلموا والله ما قومكم عـلى شئ لقد أخطأوا دين أبيهم إبراهيم ، ما حجر نظيف به ، لا يسمح ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع ، يا قوم ، التمسوا لأنفسكم ( ديناً ) فإنكم والله ما أنتم عـلى شئ .

 فتفرقوا فى البلدان يلتمسون الحنيفية ، دين إبراهيم .
 فأما ورقة بن نوفل فاستحكم فى النصرانية ، واتبع الكتب من أهلها حتى عـلم عـلماً من أهل الكتاب .
 وأما عـبيد الله بن جحش فأقام عـلى ما هو عـليه من الالتباس حتى أسلم ، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة ، ومعـه امرأته أم حبيبة بنت أبى سفيان مسلمة ، فلما قدمها تنصر وفارق الإسلام حتى هلك هنالك نصرانيا ً .
 وأما عـثمان بن الحويرث فقدم عـلى قيصر ملك الروم فتنصر ، وحسنت منزلته عـنده .
 وأما زيد بن عـمرو بن نفيل فوقف فلم يدخل فى يهودية ولا نصرانية ، وفارق دين قومه ، فاعـتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التى تذبح عـلى الأوثان ، ونهى عـن قتل الموءودة ، وقال : أعـبد رب إبراهيم ، وبادى قومه بعـيب ما هم عـليه .
 وعـن أسماء بنت أبى بكر - رضى الله عـنهما ، قالت : لقد رأيت زيد بن عـمرو بن نفيل شيخاً كبيراً مسنداً ظهره إلى الكعـبة وهو يقول : يا معـشر قريش ، والذى نفس زيد بن عـمرو بيده ، ما أصبح منكم أحد عـلى دين إبراهيم غـيرى ثم يقول : اللهم لو أنى أعـلم أى الوجوه أحب إليك عـبدتك به ن ولكنى لا أعـلمه ن ثم يسجد عـلى راحته .
 قال ابن إسحاق : وحدثت أن ابنه ، سعـيد بن زيد بن عـمرو بن نفيل ، وعـمر بن الخطاب ، وهو ابن عـمه ، قالا لرسول الله صلى الله عـليه وسلم : أنستغـفر لزيد بن عـمرو ؟ قال : نعـم فإنه يبعـث أمة وحده .
 وقال زيد بن عـمرو بن نفيل فى فراق دين قومه ، وما كان لقى منهم فى ذلك :
 أرباً واحداً أم ألف رب                             أدين إذا تقسمت الأمور
 عـزت اللات والعـزى جميعـاً                    كذلك يفعـل الجلد الصبور
 فلا العـزى أدين ولا ابنتيها                        ولا صنمى بنى عـمرو أزور
 ولا هبلاً أدين وكان ربا                            لنا فى الدهر إذ حلمى يسير
 عـجبت وفى الليالى معـجبات                     وفى الأيام يعـرفها البصير
 بأن الله قد أفنى رجالاً                              كثيراً كان شأنهم الفجور
 وأبقى آخرين ببر قوم                              فيزبل منهم الطفل الصغـير
 وبينا المرء يفتر ثاب يوماً                          كما يتروح الغـصن المطير
 ولكن أعـبد الرحمن ربى                          ليغـفر ذنبى الرب الغـفور
 فتقوى الله ربكم احفظوها                           متى ما تحفظوها لا تبوروا
 ترى الأبرار دارهم جنان                            وللكفار حامية سعـير
 وخزى فى الحياة ن وإن يموتوا                      يلاقوا ما تضيق به الصدور
 وكان زيد بن عـمرو قد أجمع الخروج من مكة ليضرب فى الأرض يطلب الحنيفية دين إبراهيم صلى الله عـليه وسلم فكانت صفية بنت الحضرمى كلما رأته قد تهيأ للخروج واراده آذنت به الخطاب بن نفيل .
 وكان يعـاتبه عـلى فراق دين قومه .
 وكان الخطاب قد آذى زيداً حتى أخرجه إلى أعـلى مكة ، فنزل حراء مقابل مكة , ووكل به الخطاب شاباً من شباب قريش وسفائهم ، فقال لهم : لا تتركوه يدخل مكة ، فكان لا يدخلها إلا سراً منهم ن فإذا عـلموا بذلك آذنوا به الخطاب فأخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عـليهم دينهم ، وأن يتابعـه أحد منهم عـلى فراقه .
 ثم خرج يطلب دين إبراهيم عـليه السلام ، ويسأل الرهبان والأحبار ، حتى بلغ الموصل والجزيرة كلها ، ثم أقبل فجال الشام كله ، حتى انتهى إلى راهب بميفعـة من أرض البلقاء كانت ينتهى إليه عـلم أهل النصرانية فيما يزعـمون ، فسأله عـن الحنيفية دين إبراهيم فقال : إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عـليه اليوم ، ولكن قد أظل زمان نبى يخرج من بلادك التى خرجت منها ، يبعـث بدين إبراهيم الحنيفية ، فالحق بها ، فإنه مبعـوث الآن ، هذا زمانه ، وقد كان شام اليهودية والنصرانية فلم يرض شيئاً منهما ، فخرج سريعـاً ، حين قال له ذلك الراهب ما قال ، يريد مكة ، حتى إذا توسط بلاد لخم عـدوا عـليه فقتلوه .
 وفى آخر رمق من حياته رفع بصره إلى السماء وقال : اللهم إن كنت حرمتنى من هذا الخير فلا تحرم منه ابنى سعـيداً ) .
 واستجاب الله دعـوته المباركة فكان ابنه سعـيد من السباقين إلى الدخول فى الإسلام فقد أسلم قبل دخول النبى صلى الله عـليه وسلم دار الأرقم .
 ولقد تحمل سعـيد - رضى الله عـنه ، نصيباً من العـذاب بسبب إسلامه .
 فعـن قيس بن حازم قال : سمعـت سعـيد بن زيد يقول للقوم : لو رأيتنى موثقى ، عـمر عـلى الإسلام أنا وأخته وما أسلم ولو أن أحداً انقض لما صنعـتم بعـثمان لكان محقوقاً أن ينقض .
 وأسلمت مع ( سعـيد ) زوجته فاطمة بنت الخطاب أخت عـمر بن الخطاب ، وجعـلهما الله سبباً فى إسلامه ، وإن كان السبب الأساسى فى إسلام عـمر - رضى الله عـنه ، هو دعـوة النبى صلى الله عـليه وسلم عـندما قال : ( اللهم أعـز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك : بأبى جهل أو بعـمر بن الخطاب ) وكان أحبهما إليه عـمر .
 

 منقبة عـظيمة :

 عن سعـيد بن زيد ، أن النبى صلى الله عـليه وسلم قال : ( اسكن حراء فما عـليك إلا نبى أو صديق أو شهيد ) وعـليه النبى  ، وأبو بكر ، وعـمر ، وعـثمان ، وعـلى ، وطلحة ، والزبير ، وسعـد ، وعـبدالرحمن ، وسعـيد بن زيد .

 الله يستجيب دعـاءه :

 عـن هشام بن عـروة ، عـن أبيه أن أروى بنت أويس ادعـت عـلى سعـيد بن زيد أنه أخذ شيئاً من أرضها فخاصمته إلى مروان بن الحكم فقال سعـيد : أنا كنت أهذ من أرضها شيئاً بعـد الذى سمعـت من رسول الله صلى الله عـليه وسلم قال : وما سمعـت من رسول الله صلى الله عـليه وسلم ؟ قال : سمعـت رسول الله صلى الله عـليه وسلم يقول : ( من أخذ شبراً من الأرض ظلما طوقه إلى سبع أرضين ) فقال مروان : لا أسألك بينة بعـد هذا ، فقال : اللهم إن كانت كاذبة فعـم ، فأعـم بصرها واقتلها فى أرضها ، قال : فما ماتت حتى ذهب بصرها ثم بينما هى تمشى فى أرضها إذ وقعـت فى حفرة فماتت .

  جهاده فى سبيل الله :

 لقد شهد سعـيد بن زيد - رضى الله عـنه ، المشاهد كلها ما خلا بدراً ، وذلك لأن النبى صلى الله عـليه وسلم كان قد أرسله فى مهمة ، فلما عـاد وجد النبى صلى الله عـليه وسلم عـائداًَ من الغـزوة فضرب له النبى صلى الله عـليه وسلم بسهمه ، فكان كمن شهدها .
 وما زال يشهد المشاهد بعـد وفاة الرسول صلى الله عـليه وسلم يبحث عـن الشهادة فى سبيل الله ولا يرضى عـنها بديلاً

  بطولاته فى يوم أجنادين :

 كان سعـيد بن زيد - رضى الله عـنه ، قائد الفرسان يوم أجنادين ، وكان من أشد الناس ، وهو الذى أشار عـلى خالد ببدء القتال يوم أجنادين لما رمى الروم المسلمين بالنشاب ، فصاح سعـيد بن زيد بخالد قائلاً : ( عـلام نستهدف لهؤلاء الأعـلاج ، وقد رشقونا بالنشاب حتى شمست الخيل ) فأقبل خالد إلى خيل المسلمين ، وقال لهم : بأجمعـهم ، وصبروا مختارين لهجوم الروم عـليهم مرتين ، عـلى ميمنتهم مرة ، ثم عـلى ميسرتهم ، ثم صبروا لرشق نبالهم وانطلق جيش المسلمين إلى الروم ، فما صبر الروم لهم فواقا وانهزموا هزيمة شديدة وقتلهم المسلمون كيف شاءوا ، وأصابوا معـسكرهم وما حوى .
 وعـند الطبرى ، عـن ابن إسحاق ( فلما رأى القبقلار ما رأى من قتال المسلمين ، قال للروم : لفوا رأسى بثوب ، قالوا : لم ؟ قال : يوم البئيس ، لا أحب أن أراه ، ما رأيت فى الدنيا يوماً أشد من هذا ، فاحتز المسلمون رأسه ، وإنه لملفف ) .

 أسد فى معـركة اليرموك :

  قال سعـيد بن عـمرو بن نفيل : لما كان يوم اليرموك كنا أربعـاً وعـشرين ألفاً أو نحواً من ذلك ، فخرجت لنا الروم بعـشرين ومائة ألف ، وأقبلوا عـلينا بخطى ثقيلة ، كأنهم الجبال تحركها أيد خفية وسار أمامهم الأساقفة والبطارقة والقسيسون يحملون الصلبان وهم يجهرون بالصلوات ، فيرددها الجيش من ورائهم ، ولهم هزيم كهزيم الرعـد ، فلما رآهم المسلمون عـلى حالهم هذه ، هالتهم كثرتهم وخالط قلوبهم شئ من خوفهم ، عـند ذلك قام أبو عـبيد بن الجراح يحض المسلمين عـلى القتال فقال : عـباد الله ، انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ، عـباد الله ، اصبروا ، فإن الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب .
 ومدحضة للعـار ، وأشرعـوا الرماح ، واستتروا بالتروس ، والزموا الصمت إلا من ذكر الله عـز وجل فى أنفسكم ، حتى آمركم إن شاء الله ، قال سعـيد : عـند ذلك خرج رجل من صفوف المسلمين وقال لأبى عـبيدة : إنى أزمعـت عـلى أن أقضى أمرى الساعـة فهل لك من رسالة تبعـث بها إلى رسول الله صلى الله عـليه وسلم ؟ فقال أبو عـبيد : نعـم تقرئه منى ومن المسلمين السلام ، وتقول له : يا رسول الله ، إنا وجدنا ما وعـدنا ربنا حقا ، قال سعـيد : فما إن سمعـت كلامه ورأيته يمتشق حسامه ويمضى إلى لقاء أعـداء الله ، حتى اقتحمت إلى الأرض وجثوت عـلى ركبتى ، وأشرعـت رمحى ، وطعـنت أول فارس أقبل عـلينا ، ثم وثبت عـلى العـدو ، وقد انتزع الله كل ما فى قلبى من الخوف ، فثار الناس فى وجوه الروم ، وما زالوا يقاتلونهم حتى كتب الله للمؤمنين النصر .
 قال حبيب بن سلمة : اضطررنا يوم اليرموك إلى سعـيد بن زيد ، فلله در سعـيد ، ما سعـيد يؤمئذ إلا مثل الأسد ، لما نظر إلى الروم وخافها ، اقتحم إلى الأرض وجثا عـلى ركبته حتى إذا دنوا منه وثب فى وجوههم مثل الليث ، فطعـن برابته أول رجل من القوم فقتله ، وأخذ - والله - يقاتل راجلاً ، قتال الرجل الشجاع البأس ، فارساً ويعـطف الناس إليه .

  وحان وقت الرحيل :

 وبعـد تاريخ حافل بالعـطاء والتضحية والجهاد فى سبيل الله رحل سعـيد ابن زيد - رضى الله عـنه ، عـن دنيا الناس إلى جنة الرحمن ، فهو من العـشر المبشرين بالجنة .
 وتوفى بالعـقيق فحمل إلى المدينة ودفن بها وغـسله سعـد بن أبى وقاص ونزل فى قبره سعـد وابن عـمر ، وذلك فى سنة خمسين أو إحدى وخمسين وكان يوم أن مات ابن بضع وسبعـين سنة .