معاذ بن جبل

 يا معـاذ والله إنى لأحبك
              محمد رسول الله صلى الله عـليه وسلم
 يقول صلى الله عـليه وسلم : ( من يرد الله به خيراً يفقهه فى الدين ) .
 ونعـمة العـلم من أعـظم النعـم ، ولذا فقد أمر الله نبيه صلى الله عـليه وسلم أن يطلب المزيد منه ، فقال : ( وقل رب زدنى عـلماً ) .
 بل أنه من عـظمة العـلم والعـلماء وقدرهم عـندالله - جل وعـلا ، أنه أشهدهم عـلى أعـظم شهادة ألا وهى شهادة التوحيد لله .
 فبعـد أن شهد الله - جل وعـلا ، بتلك الشهادة العـظيمة ثنى فى الشهادة بالملائكة ثم بشهادة أولى العـلم .
 قال تعـالى : ( شهد الله أنه لا إلا إلا هو والملائكة وأولوا العـلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العـزيز الحكيم ) .
 بل إن من أشد الناس خشية لله هم العـلماء .
 قال تعـالى : ( إنما يخشى الله من عـباده العـلماء ) .
 قال تعـالى : ( قل هل يستوى الذين يعـلمون والذين لا يعـلمون إنما يتذكر أولوا الألباب ) .
 وقال تعـالى : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العـلم درجات ) .
 بل أن النبى صلى الله عـليه وسلم لم يأذن بالحسد إلا فى حالتين ( السحد هنا بمعـنى الغـبطة ) .
 فقال صلى الله عـليه وسلم ( لا حسد إلا فى اثنتين ، وكان منهما ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعـلمها ) .
 وللعـلماء منزلة عـظيمة عـند الله ، فلقد جعـلهم الله أولى الأمر الذين يرجع إليهم ، فقال تعـالى : ( أطيعـوا الله وأطيعـوا الرسول وأولى الأمر منكم ) .
 قال جابر وابن عـباس : المقصود بأولى الأمر هم العـلماء والفقهاء .
 بل أوجب عـلينا الرجوع إليهم وأوجب عـلينا أن نرجع إليهم فى النوازل ، فقال تعـالى : ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعـلمه الذين يستنبطونه منهم ) .
 واعـلم يا أخى بأن طلب العـلم هو من أقرب الطرق لدخول الجنة .
 قال صلى الله عـليه وسلم : ( من سلك طريقاً يلتمس فيه عـلماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة ) .
 وقال صلى الله عـليه وسلم : ( من سلك طريقاً يطلب فيه عـلماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العـلم رضا بما يصنع ، وإن العـالم ليستغـفر له من فى السماوات ومن فى الأرض والحيتان فى جوف الماء ، وإن فضل العـالم عـلى العـابد كفضل القمر ليلة البدر عـلى سائر الكواكب ، وإن العـلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورثوا العـلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ) .
 وها نحن نعـيش سوياً من خلال تلك السطور مع مقدام العـلماء ( معـاذ بن جبل ) رضى الله عـنه ، الإمام المقدم فى عـلم الحلال والحرام .
 إمام الفقهاء وكنز العـلماء شهد العـقبة وبدراً والمشاهد وكان من أفضل شباب الأنصار حلماً وحياء وسخاء وكان جميلا وسيماً .
 وكان أبيض وضئ الوجه براق الثنايا أكحل العـينين جميلاً سمحاً من خير شباب قومه .
 لله دره من سيد ، له أسبقيته وإيمانه ويقينه ، لله دره معـلم وفاتح اليمن ، عـلى أن آلق مزاياه وأعـظم خصائصه ، كان فقهه ، وهو أعـلم الأمة بالحلال والحرام كما شهد له رسول الله صلى الله عـليه وسلم .
 كان أصحاب رسول الله إذا تحدثوا وفيهم معـاذ بن جبل نظروا إليه هيبة له ، لله دره ، كأنما كان يخرج من فمه نور ولؤلؤ بلغ منزلة عـظيمة فى العـلم وفى إجلال المسلمين له أيام رسول الله صلى الله عـليه وسلم وبعـد مماته .
 مات - رحمة الله ، يوم مات ولم يجاوز من العـمر ثلاثا وثلاثين سنة ، أو ثمانية وعـشرين سنة وحصل ما حصل وسبق الأمة فى الفقه وعـلم الحلال والحرام فى تسع سنوات .

  إسلامه ( رضى الله عـنه ) :

 كان معـاذ - رضى الله عـنه ، ثمرة مباركة من ثمرات الدعـوة إلى الله تعـالى ، فلقد أسلم عـلى يدى مصعـب بن عـمير - رضى الله عـنه ، الذى كان يعـتمد فى دعـوته عـلى الرحمة والحكمة والموعـظة الحسنة ، وهذه والله من أفضل أساليب الدعـوة إلى الله .
 وفى ليلة العـقبة كان معـاذ مع الاثنين والسبعـين الذين شهدوا تلك البيعـة المباركة ، فوضع يده فى يد الحبيب صلى الله عـليه وسلم وبايعـه ليسطر بذلك صفحة ناصعـة البياض عـلى جبين التاريخ .

  بركة الدعـوة إلى الله تعـالى :

 وما إن عـاد معـاذ - رضى الله عـنه ، إلى المدينة حتى أيقن أن الخير الذى حصل له لم يكن إلا ببركة الدعـوة إلى الله تعـالى ، فقام يحمل لواء الإسلام خفاقا عـاليا ليأخذ بأيدى الناس من حوله إلى جنة الرحمن - جل عـلا ، التى فيها ما لا عـين رأت ولا أذن سمعـت ولا خطر عـلى قلب بشر .
 فكان من بركة دعـوته أن الله جعـله سبباً فى إسلام سيد من سادات ( بنى سلمة ) .
 فإنه لما قدم معـاذ ومن معـه ممن أسلموا إلى المدينة أظهروا الإسلام بها ، وفى قومهم بقايا من شيوخ لهم عـلى دينهم من الشرك ، منهم عـمرو بن الجموح ن وكان ابنه معـاذ بن عـمرو شهد العـقبة ، وبايع رسول الله صلى الله عـليه وسلم بها ، وكان عـمرو بن الجموح سيداً من سادات بنى سلمة ، وشريفا من أشرافهم ، وكان قد اتخذ فى داره صنما من خشب ، يقال له : مناة ، كما كانت الأشراف يصنعـون ، يتخذه إلها يعـظمه ويظهره ، فلما أسلم فتيان بنى سلمة : معـاذ بن جبل ، وابنه معـاذ ابن عـمرو ( بن الجموح ) فى فتيان منهم ممن أسلم وشهد العـقبة ن كانوا يدلجون بالليل عـلى ( صنم ) عـمرو ذلك ، فيحملونه فيطرحونه فى بعـض حفر بنى سلمة ، وفيها عـذر الناس ، القاذورات ومخلفات قضاء الحاجة ، منكسا عـلى رأسه ، فإذا أصبح عـمرو قال : ويلكم ، من عـدا إلى إلهنا هذه الليلة ؟ قال : ثم يغـدو يلتمسه ، حتى إذا وجده غـسله وطهره وطيبه ، ثم قال : أما والله لو أعـلم من فعـل هذا بك لأخزينه ، فإذا أمسى ونام عـمرو عـدوا عـليه ، ففعـلوا به مثل ذلك ، فيغـدو فيجده فى مثل ما كان فيه من الأذى ، فيغـسله ويطهره ويطيبه ، ثم يعـدون عـليه إذا أمسى ، فيفعـلون به مثل ذلك ، فلما أكثروا عـليه ، استخرجه من حيث ألقوه يوما ، فغـسله وطهره وطيبه ، ثم جاء بسيفه فعـلقه عـليه ، ثم قال : إنى والله ما أعـلم من يصنع بك ما ترى ، فإن كان فيك خير فامتنع ، فهذا السيف معـك ، فلما أمسى ونام ( عـمرو ) عـدوا عـليه ، فأخذوا السيف من عـنقه ن ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل ، ثم ألقوه فى بئر من آبار بنى سلمة ، فيها عـذر من عـذر الناس ، ثم غـدا عـمرو بن الجموح فلم يجده فى مكانه الذى كان به ، فخرج يتبعـه حتى وجده فى تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت ، فلما رآه وأبصر شأنه وكلمة من أسلم من ( رجال ) قومه ، فأسلم برحمة الله وحسن إسلامه .

 محبة النبى صلى الله عـليه وسلم له والأوسمة التى وضعـها عـلى صدره :

 ولما قدم الحبيب صلى الله عـليه وسلم إلى المدينة مهاجراً فرح - معـاذ ، لقدومه أشد الفرح ولازمه ملازمة العـين لأختها وتعـلم منه العـلم الغـزير من نبعـه الصافى ، بل وتعـمق فى معـرفة الحلال والحرام وسائر شرائح الإسلام حتى أصبح من أعـلم الصحابة بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عـليه وسلم .
 وحسبنا من ذلك أن نتعـرف عـلى تلك الأوسمة التى وضعـها الحبيب صلى الله عـليه وسلم عـلى صدر معـاذ بن جبل رضى الله عـنه .
 فعـن عـبدالله بن عـمرو ، قال : قال رسول الله صلى الله عـليه وسلم ( خذوا القرآن من أربعـة : من ابن مسعـود وأبى ، ومعـاذ بن جبل ، وسالم مولى أبى حذيفة ) .
 وعـن أنس - رضى الله عـنه ، أن النبى صلى الله عـليه وسلم قال : ( أرحم أمتى بأمتى أبو بكر ، وأشدها فى دين الله عـمر ، وأصدقها حياء عـثمان ، وأعـلمهم بالحلال والحرام معـاذ ) .
 بل لقد كان النبى صلى الله عـليه وسلم يقربه إليه ويكرمه أيما إكرام .
 فعـن معـاذ بن جبل قال : كنت رديف رسول الله صلى الله عـليه وسلم عـلى حمار يقال له عـفير .
 وهذا دليل عـلى عـظيم تواضع النبى صلى الله عـليه وسلم وعـلى قدر معـاذ ، ومكانته عـند رسول الله صلى الله عـليه وسلم .
 فعـن معـاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عـليه وسلم أخذ بيده وقال : ( يا معـاذ والله إنى لأحبك ، والله إنى لأحبك ، فقال : أوصيك يا معـاذ لا تدعـن فى دبر كل صلاة تقول : اللهم أعـنى عـلى ذكرك وشكرك وحسن عـبادتك ) .
 بل يوضح النبى صلى الله عـليه وسلم مكانة معـاذ ، بين العـلماء يوم القيامة .
 فعـن محمد بن كعـب القرظى قال : قال رسول الله صلى الله عـليه وسلم ( إن معـاذ بن جبل أمام العـلماء رتوه ، والرتوة هى الدرجة والمنزلة
 ويريد الحبيب صلى الله عـليه وسلم يوما أن يثنى عـليه فيقول : ( نعـم الرجل معـاذ بن جبل ) .
 وعـلم أصحاب النبى صلى الله عـليه وسلم مكانة معـاذ ، فكانوا يحملون له كل الحب والتقدير فى قلوبهم .
 فعـن عـبدالله بن مسعـود أنه قال : إن معـاذ كان أمة قانتا لله .
 قال : فقال رجل من أشجع يقال له فروة بن نوفل : نسى ، إنما ذاك إبراهيم ، قال : فقال عـبدالله : من نسى ؟ إنما كنا نشبهه بإبراهيم ، قال : وسئل عـبدالله عـن الأمة : فقال معـلم الخير ، والقانت المطيع لله ورسوله .
 وعـن محمد بن سهل بن أبى حثمة : عـن أبيه قال : كان الذين يفتون عـلى عـهد رسول الله صلى الله عـليه وسلم ثلاثة من المهاجرين : عـمر ، وعـثمان وعـلى ، وثلاثة من الأنصار : أبى بن كعـب ، معـاذ ، وزيد .
 وعـن نيار الأسلمى : أن عـمر كان يستشير هؤلاء فذكر منهم معـاذاً .
 وروى موسى بن عـلى بن رباح ، عـن أبيه ، قال : خطب عـمر الناس بالجابية فقال : من أراد الفقه فليأت معـاذ بن جبل .

 الله يلقى محبته فى قلوب الناس :

 قال صلى الله عـليه وسلم ( إن الله تبارك وتعـالى إذا أحب عـبداً دعـا جبريل ، عـليه السلام ، فقال : إنى أحب فلانا فأحبه ، قال : فيحبه جبريل ، ثم ينادى فى السماء ، فيقول : إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء قال : ثم يوضع له القبول فى الأرض ) .
 ولقد كان معـاذ - رضى الله عـنه ، من هذا الصنف الكريم ، فكل من يراه يحبه من أول وهلة .
 عـن عـطاء بن أبى رباح ، عـن أبى سلمة الخولانى قال : دخلت مجسد حمص ، فإذا فيه نحو من ثلاثين كهلا من الصحابة ، فإذا فيهم شاب أكحل العـينين ، براق الثنيا ساكت ، فإذا امترى القوم ، أقبلوا عـليه فسألوه ، فقلت : من هذا ؟ قيل : معـاذ بن جبل ، فوقعـت محبته فى قلبى .
 وفى رواية : عـن أبى إدريس الخولانى قال : دخلت مسجد دمشق فإذا فتى براق الثنايا ، وإذا ناس معـه إذا اختلفوا فى شئ أسندوه إليه وصدروا عـن رأيه ، فسألت عـنه فقالوا : هذا معـاذ بن جبل ، فلما كان من الغـد هجرت فوجدته قد سبقنى بالتهجير فوجدته يصلى ، قال : فانتظرته حتى قضى صلاته ، ثم جئته من قبل وجهه فسلمت عـليه وقلت له : والله إنى لأحبك لله ، قال : فقال : آلله ؟ فقلت : آلله ، فقال : الله ؟ فقلت : الله ، قال : فأخذ بحبوة ردائى فجذبنى إليه ، وقال : أبشر فإنى سمعـت رسول الله صلى الله عـليه يقول : ( قال الله تبارك وتعـالى : وجبت رحمتى للمتحابين فى والمتجالسين فى والمتباذلين فى والمتزاورين فى ) .

  خروجه إلى اليمن للدعـوة ونشر العـلم :

 لقد كان الحبيب صلى الله عـليه وسلم يضع الرجل المناسب فى المكان المناسب فهو يعـلم طاقات الرجال من حوله فكان يوظف تلك الطاقات فى خدمة الإسلام والمسلمين عـلى أكمل وجه .
 وها هو النبى - عـليه الصلاة والسلام ، يرى جموع قريش تدخل فى دين الله أفواجا بعـد فتح مكة ، ويشعـر بحاجة المسلمين الجدد إلى معـلم كبير يعـلمهم الإسلام ، ويفقههم بشرائعـة ، فيعـهد بخلافته عـلى مكة لعـتاب بن أسيد ويستبقى معـه معـاذ بن جبل ليعـلم الناس القرآن ويفقههم فى دين الله .
 ولما جاءت رسل ملوك ( اليمن ) إلى رسول الله - صلوات الله عـليه ، تعـلن إسلامها وإسلام من وراءها ، وتسأله أن يبعـث معـها من يعـلم الناس دينهم ، انتدب لهذا المهمة نفراً من الدعـاة الهداة من أصحابه ، وأمر عـليهم معـاذ بن جبل - رضى الله عـنه .
 وعـن معـاذ قال : لما بعـثنى النبى صلى الله عـليه وسلم إلى اليمن ، قال لى : كيف تقضى إن عـرض قضاء ؟ قال : قلت : أقضى بما فى كتاب الله ، فإن لم يكن ، فبما قضى به رسول الله صلى الله عـليه وسلم قال : فإن لم يكن فيما قضى به الرسول ؟ قال : أجتهد رأيى ولا آلو - أى لا أتجاوز ذلك ، فضرب صدرى ، وقال : الحمد لله الذى وفق رسول الله صلى الله عـليه وسلم لما يرضى رسول الله .
 وعـن أبى موسى أن النبى صلى الله عـليه وسلم لما بعـثه ومعـاذا إلى اليمن ، قال لهما : يسرا ولا تعـسرا وتطاوعـا ولا تنفرا ، فقال له أبو موسى : إن لنا بأرضنا شرابا ، يصنع من العـسل يقال له : البتع ، ومن الشعـير يقال له : المزر ، قال : ( كل مسكر حرام ) فقال لى معـاذ : كيف تقرأ القرآن ؟ قلت : أقرأه فى صلاتى ، وعـلى راحلتى ، وقائما وقاعـدا ، أتفوقه تفوقا ، يعـنى شيئا بعـد شئ ، قال : فقال معـاذ : لكنى أنام ثم أقوم ، فأحتسب نومتى كما أحتسب قومتى ، قال : وكأن معـاذا فضل عـليه .

   الحبيب صلى الله عـليه وسلم يودع حبيبه :

 وعـندما خرج الحبيب صلى الله عـليه وسلم يودع معـاذا - رضى الله عـنه ، أحس أنه لن يراه بعـد اليوم ، وأن هذا هو آخر لقاء يجمعـهما فى الدنيا ، فقال له تلك الكلمات المؤثرة .
 فعـن عـاصم بن حميد السكونى أن معـاذ بن جبل لما بعـثه النبى صلى الله عـليه وسلم إلى اليمن خرج يوصيه ، ومعـاذ راكب ، ورسول الله صلى الله عـليه وسلم يمشى تحت راحلته ، فلما فرغ ، قال : ( يا معـاذ ، إنك عـسى أن لا تلقانى بعـد عـامى هذا ، ولعـلك أن تمر بمسجدى وقبرى ) فبكى معـاذ جشعـا لفراق رسول الله ، قال : ( لا تبك يا معـاذ ، أو إن البكاء من الشيطان ) .
 وسافر معـاذ إلى اليمن يدعـو إلى الله ويعـلم الناس شرائح الإسلام وبعـد فترة يسيرة توفى رسول الله صلى الله عـليه وسلم قبل أن يرجع معـاذ من ( اليمن ) فلما عـاد إلى المدينة ولم يجد فيها الحبيب صلى الله عـليه وسلم أحس وكأن روحه قد خرجت من جسده ، بل أحس بأن الدنيا كلها أظلمت من حوله وجلس يتذكر تلك الأيام التى قضاها فى صحبة الحبيب صلى الله عـليه وسلم يتلقى عـلى يديه العـلم ويتعـلم منه الرحمة والأخلاق الكريمة التى يندر وجودها فى هذا الكون .
 وبعـد وفاة الحبيب صلى الله عـليه وسلم تولى الخلافة أبو بكر - رضى الله عـنه وكان يعـرف لمعـاذ قدره ومكانته .
 وكان معـاذ - رضى الله عـنه ، سمح اليد والنفس والخلق .
 فلا يسأل عـن شئ إلا أعـطاه حتى ذهب جوده وسخاؤه بكل ماله .
 فلما عـاد معـاذ من اليمن ومعـه شئ من المال والرقيق فلقى عـمر بمكة ، فقال : ما هؤلاء ؟ قال : أهدوا لى ، قال : ادفعـهم إلى أبى بكر ، فأبى ، فبات ، فرأى كأنه يجر إلى النار وأن عـمر يجذبه ، فلما أصبح ، قال : يا ابن الخطاب ما أرانى إلا مطيعـك إلى أن قال : فدفعـهم أبو بكر إليه ، ثم أصبح فرآهم يصلون ، قال : لمن تصلون ؟ يسأل الرقيق والعـبيد قالوا : لله ، قال فأنتم لله .
 وما كان عـمر متجنيا عـلى معـاذ بتهمة أو ظن وإنما هو ( عـصر المثل ) كان يزخر بقوم يتسابقون إلى ذرى الكمال الميسور ، فمنهم الطائر المحلق ، ومنهم المهرول ، ومنهم المقتصد ولكنهم جميعـا فى قافلة الخير سائرون .

  أمانته ( رضى الله عـنه ) :

 عـن سعـيد بن المسيب ابن عـمر بعـث معـاذا ساعـيا عـلى بنى كلاب أو غـيرهم ، فقسم فيهم فيئهم حتى لم يدع شيئا ، حتى جاء بحلسه الذى خرج به عـلى رقبته .

  أدبه مع الله :

 عـن عـبدالله بن الصامت ( عـن معـاذ ) قال : ما بزقت عـلى يمينى منذ أسلمت .

  حرصه عـلى الإكثار من ذكر الله :
 عـن معـاذ قال : ما عـمل آدمى عـملا ( أنجى له من عـذاب الله ) من ذكر الله : قالوا : يا أبا عـبدالرحمن ولا الجهاد فى سبيل الله ؟ قال : ولا ، إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع ، لأن الله تعـالى يقول فى كتابه : ( ولذكر الله أكبر ) .

  نبذة من ورعـه وعـبادته - رضى الله عـنه :

 عـن يحيى بن سعـيد قال : كانت تحت معـاذ بن جبل امرأتان فإذا كان عـند إحداهما لم يشرب فى بيت الأخرى الماء .
 وعـن يحيى بن سعـيد أن معـاذ بن جبل كانت له امرأتان : فإذا كان يوم إحداهما لم يتوضأ فى بيت الأخرى ، ثم توفيتا فى السقم الذى بالشام ، والناس فى شغـل ، فدفنتا فى حفرة فأسهم بينهما أيتهما تقدم فى القبر .
 وعـن ثور بن يزيد قال : كان معـاذ بن جبل إذا تهجد من الليل قال : اللهم قد نامت العـيون ، وغـارت النجوم وانت حى قيوم ، اللهم طلبى للجنة بطئ ، وهربى من النار ضعـيف ، اللهم اجعـل لى عـندك هدى ترده إلى يوم القيامة إنك لا تخلف الميعـاد .

  وصاياه الغـالية :

 عـن أبى قلابة وغـيره أن رجلاً مر به أصحاب النبى صلى الله عـليه وسلم فقال : أوصونى ، فجعـلوا يوصونه ، وكان معـاذ بن جبل فى آخر القوم ، فقال : أوصنى يرحمك الله ، قال : قد أوصوك فلم يألوا - لم يقصروا ، وإنى سأجمع لك أمرك : اعـلم أنه لا غـنى بك عـن نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك إلى الآخرة أفقر ، فابدأ بنصيبك من الآخرة ، فإنه سيمر بك عـلى نصيبك من الدنيا فينتظمه ، ثم يزول معـك أينما زلت .
 وعـن عـبدالله بن سلمة قال : قال رجل لمعـاذ بن جبل : عـلمنى ، قال : وهل أنت مطيعـى ؟ قال : إنى عـلى طاعـتك لحريص ، قال : صم وأفطر ، وصل ونم ، واكتسب ولا تأثم ، ولا تموتن إلا وأنت مسلم ، وإياك ودعـوة المظلوم .
 وعـن معـاوية بن قرة قال : قال معـاذ بن جبل لابنه : يا بنى إذا صليت فصل صلاة مودع لا تظن أنك تعـود إليها أبداً ، واعـلم يا بنى أن المؤمن يموت بين حسنتين ، حسنة قدمها وحسنة أخرها .

  أيثار يفوق الخيال :

 عـن مالك الدار أن عـمر - رضى الله عـنه ، أخذ أربع مئة دينار ، فقال لغـلام : اذهب بها إلى أبى عـبيدة ، ثم تله ساعـة فى البيت حتى تنظر ما يصنع ، قال : فذهب بها الغـلام فقال : يقول لك أمير المؤمنين : خذ هذه ، فقال : وصله الله ورحمه ، ثم قال : تعـالى يا جارية ، اذهبى بهذه السبعـة إلى فلان ، وبهذه الخمسة إلى فلان ، حتى أنفذها ، فرجع الغـلام إلى عـمر ، وأخبره ، فوجده قد أعـد مثلها لمعـاذ بن جبل فأرسله بها إليه ، فقال معـاذ : وصله الله يا جارية ، اذهبى إلى بيت فلان بكذا ولبيت فلان بكذا ، فاطلعـت امرأة معـاذ ، فقالت : ونحن والله مساكين ن فأعـطنا ، ولم يبق فى الخرقة إلا ديناران ، فدحا بهما إليها ، ورجع الغـلام ، فأخبره عـمر ، فسر بذلك ، وقال : إنهم إخوة بعـضهم من بعـض .

 صفحات مشرقة من جهاده فى سبيل الله :

 لقد كان معـاذ يبحث عـن الشهادة فى مظانها ويقبل عـليها إقبال الظامئ عـلى الماء البارد فى اليوم القائظ .
 فكان رضى الله عـنه ، فائد الميمنة فى أجنادين ( قام فى أصحابه فقال : يا معـشر المسلمين ، اشروا أنفسكم اليوم لله  فإنكم إن هزمتموهم اليوم ، كانت هذه البلاد دار الإسلام أبداً مع رضوان الله والثواب العـظيم من الله ) .
 وفى ( فحل بيسان ) كان رضى الله عـنه ، عـلى ميمنة المسلمين ليلقن الناس درسا فى أن أهل العـلم هم أقدر الناس عـلى حمل لواء الجهاد والثبات عـند الشدائد وفى المكاره .
 قال ثابت بن سهل بن سعـد : كان معـاذ بن جبل يؤمئذ من أشد الناس عـلينا حرصا وأمضاهم فى رقاب الروم سيفا ، فبينما هو يحارب فى ميمنة المسلمين إذ أقبلت جنود الروم تحوط عـسكر المسلمين ن فبرز إليهم معـاذ بن جبل فى رجاله ونادى فقال : ( أيها الناس اعـلموا - رحمكم الله - أن الله قد وعـدكم بالنصر وأيدكم بالإيمان ، فانصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ن واعـلموا أن الله معـكم ، وناصركم عـلى عـبدة الأوثان ) .
 ويقول لوجهاء الروم قبل معـركة ( فحل ) ، لما فاوضهم ورفض الجلوس معـهم عـلى البسط : قمت إعـظاما للمشى عـلى هذه البسط ، والجلوس عـلى هذه النمارق التى استأثرتم بها عـلى ضعـفائكم وأهل ملتكم ، وإنما هى من زينة الدنيا وغـرورها ، وقد زهد الله فى الدنيا وذمها ، ونهى عـن البغـى والسرف فيها ، فأنا جالس هاهنا عـلى الأرض وكلمونى ولما قالوا له : ( اذهب إلى أصحابك ، فوالله إنا لنرجو أن نفركم فى الجبال غـداً نجعـلكم تفرون فى الجبال ، قال معـاذ : أما الجبال فلا ، ولكن والله لتقتلنا عـن آخرنا أو لنخرجنكم من أرضكم أذلة وأنتم صاغـرون ) .

  يوم اليرموك :

 وفى يوم اليرموك كان - رضى الله عـنه ، قائد الميمنة وفى صباح المعـركة وقف يخطب فى الناس ويقول : يا قراء القرآن ومستحفظى الكتاب ، وأنصار الهدى وأولياء الحق ، إن رحمة الله ، والله لا تنال وجنته لا تدخل بالأمانى ، ولا يؤتى الله المغـفرة والرحمة الواسعـة إلا الصادقين المصدقين بما وعـدهم الله - عـز وجل ، ألم تسمعـوا قول الله عـز وجل :
 ( وعـد الله الذين آمنوا منكم وعـملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعـد خوفهم أمنا يعـبدوننى لا يشركون بى شيئا ومن كفر بعـد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) .
 أنتم إن شاء الله منصورون ، فأطيعـوا الله ورسوله ، ولا تنازعـوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ، واستحيوا من ربكم أن يراكم فرارا من عـدوكم وأنتم فى قبضته ورحمته ، وليس لأحد منكم ملجأ من دونه ، لا متعـزز بغـير الله .
 ولما انقض الروم عـلى الميمنة صاح معـاذ : يا عـباد الله المسلمين ، إن هؤلاء قد تيسروا للشدة عـليكم ، ولا والله لا يردهم إلا صدق اللقاء والصبر فى البأساء ثم نزل عـن فرسه وقال : من أراد أن يأخذ فرسى ويقاتل عـليه فليأخذه وآثر بذلك أن يقاتل راجلاً مع المشاة ، فوثب إليه ابنه عـبدالرحمن ابن جبل وهو غـلام قد احتلم ، فقال : يا أبت ، إنى لأرجو أن أكون أنا فارساً أعـظم غـناء عـن المسلمين منى راجلاً ، وأنت يا أبت راجل أعـظم منك فارساً ، وأعـظم المسلمين رجالة ، وإذا رأوك صابراً محافظا صبروا ، إن شاء الله ، وحافظوا فقال معـاذ : وفقنى الله وإياك يا بنى .

 وحان وقت الرحيل :

 ويهاجر بعـد ذلك معـاذ - رضى الله عـنه إلى بلاد الشام ليكمل رسالته العـظيمة فى تعـليم الناس أمور دينهم وشريعـة ربهم وسنة نبيهم صلى الله عـليه وسلم .
فلما أصيب أبو عـبيدة - رضى الله عـنه ، استخلف عـمر معـاذا - رضى الله عـنهما عـلى الشام ولم يمض عـلى ذلك بضعـة أشهر حتى لقى ربه مخبتا منيبا .
 عـن أم سلمة أن أبا عـبيدة لما أصيب ن استخلف معـاذ بن جبل ، يعـنى فى طاعـون عـمواس ، اشتد الوجع ، فصرخ الناس إلى معـاذ : ادع الله أن يرفع عـنا هذا الرجز ، قال : إنه ليس برجز ولكن دعـوة نبيكم ، وموت الصالحين قبلكم وشهادة يخص الله ( بها ) من شاء منكم ، أيها الناس ، أربع خلال من استطاع أن لا تدركه ، قالوا : ما هى ؟ قال : يأتى زمان يظهر فيه الباطل ويأتى زمان يقول الرجل : والله ما أدرى ما أنا ، لا يعـيش عـلى بصيرة ولا يموت عـلى بصيرة .
 وفى رواية أنه لما نزل الطاعـون فى جند الشام وهو فيه قال للصحابة : ( رحمة ربكم ودعـوة نبيكم ، وموت الصالحين قبلكم ، اللهم فآت آل معـاذ النصيب الأوفر من هذه الرحمة ) فما أمسى حتى طعـن ابنه عـبدالرحمن وأحب الناس إليه الذى كان يكنى به ، فرجع معـاذ من المسجد ، فوجده مكروبا ، فقال : يا عـبدالرحمن ، كيف أنت ؟ فاستجاب له ، فقال عـبدالرحمن : يا أبت : ( الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ) .
 فقال معـاذ - رضى الله عـنه : وأنا ستجدنى إن شاء الله من الصابرين فمات من ليلته ، ودفن من الغـد .
 رضى الله عـنك ، من مشتاق إلى ربك يدعـو ربه ( اللهم إن كنت تعـلم أن معـاذ ابن جبل سمعـه من رسول الله صلى الله عـليه وسلم ، فأعـطه هو وأهل بيته ، الحظ الأوفر منه ، فأصابهم الطاعـون فلم يبق منهم أحد ، فطعـن فى أصبعـه السبابة فكان يقول : ما يسرنى أن لى بها حمر النعـم .
 ولما اشتد به نزع الموت ، نزع أشد العـالم نزعـه ، فكان كلما أفاق من غـمرة فتح طرفه فقال : اخنق خنقك ، فوعـزتك إنك لتعـلم أنى أحبك .
 وفى ( الزهد ) لأحمد : لما حضره الموت ، يعـنى معـاذ ، قال : ( أعـوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار ، مرحبا بالموت مرحبا زائرا مغـيب ، حبيب جاء عـلى فاقة ، اللهم إنى قد كنت أخافك فأنا اليوم أرجوك ، اللهم إن كنت تعـلم أنى لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكرى الأنهار ، ولا لغـرس الأشجار ، ولكن لظمأ الهواجر ، ومكابدة الساعـات ، ومزاحمة العـلماء بالركب عـند حلق الذكر ) .
 ورحل ( معـاذ ) رضى الله عـنه ، عـن الدنيا وبقى عـلمه ، بل وبقيت سيرته العـذبة .
 رحل عـن الدنيا ليلحق بالحبيب صلى الله عـليه وسلم فى جنات النعـيم التى فيها ما لا عـين رأت ولا أذن سمعـت ولا خطر عـلى قلب بشر .