سعد بن الربيع الأنصاري

 

يا رسول الله صلى الله عـليه وسلم أجد ريح الجنة
                                 سعـد بن الربيع ( رضى الله عـنه )

 إن الأخوة الصادقة أصبحت عـملة نادرة فى زمن الغـربة الثانى الذى نعـيشه الآن ، فلا تكاد ترى أخا صادقا فى أخوانه إلا من رحم الله .
 ولقد ضرب أصحاب النبى صلى الله عـليه وسلم المثل والأسوة والقدوة فى الأخوة الصادقة .
 وها نحن نعـيش من خلال تلك السطور مع هذا الصحابى الجليل سعـد بن الربيع الأنصارى الخزرجى البدرى النقيب الشهيد الذى لا يستطيع إنسان أن يذكر معـنى الأخوة الصادقة إلا ويجعـل سعـداً متربعـاً عـلى عـرش الأخوة .
 كان سعـد - رضى الله عـنه ، أحد النقباء ليلة العـقبة واستشهد يوم أحد .

 الأخوة الصادقة :

 لقد صدق أصحاب النبى صلى الله عـليه وسلم فى كل شئ حتى محبتهم لإخوانهم ، فلم يطمع أحدهم فيما عـند أخيه بقدر طمعـه فى حب أخيه ، فلم يحمل أحدهم شيئا فى صدره لأخيه ، بل حملوا الحب والوفاء لإخوانهم .
 قال الإمام الشافعـى :
    أحب الصالحين ولست منهم        لعـلى أن أنال بهم شفاعـة
 وأكره من تجارتهم معـاصى          وإن كنا سوياً فى البضاعـة

 فقال له الإمام أحمد :
   تحب الصالحين وأنت منهم     ومنكم سوف يلقون الشفاعـة
 وتكره من تجارتهم معـاصى     وقال الله من شر البضاعـة


 ولذا فإن المؤمن لا بد أن يحرص عـلى صحبة المؤمنين الصادقين ولابد أن يتعـاهدوا من الآن عـلى أن يشفعـوا لبعـضهم البعـض فى هذا اليوم العـصيب ، وبذلك تكتمل معـانى الأخوة فى الدنيا والآخرة ، ولذلك يقول الحق تبارك وتعـالى : ( الأخلاء يومئذ بعـضهم لبعـض عـدو إلا المتقين ) .
 وكذلك يجب أن تحرص عـلى أن تحمل فى قلبك كل المحبة لإخوانك ولا تجعـل فى قلبك غـشاً ولا حسداً لأحد من المسلمين
 ولعـلكم تعـلمون قصة الرجل الذى قال عـنه النبى صلى الله عـليه وسلم : ( يطلع عـليكم الآن رجل من أهل الجنة ) .
 فعـن أنس - رضى الله عـنه ، قال : كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عـليه وسلم ، فقال : ( يطلع عـليكم الآن رجل من أهل الجنة ) فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد عـلق نعـليه بيده الشمال ، فلما كان الغـد قال رسول الله صلى الله عـليه وسلم مثل ذلك ، فطلع ذلك الرجل  مثل المرة الأولى ، فلما كان اليوم الثالث قال رسول الله مثل مقالته أيضا ، فطلع الرجل عـلى مثل حالته الأولى ، فلما قام رسول الله صلى الله عـليه وسلم تبعـه عـبدالله بن عـمرو بن العـاص فقال : إنى لا حيت أبى ، فأقسمت أنى لا أدخل عـليه ثلاثاً ، فإن رأيت أن تؤوينى إليك حتى تمضى فعـلت ، قال : ( نعـم ) قال أنس : فكان عـبدالله يحدث أنه بات معـه تلك الليالى الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئاً غـير أنه إذا تعـار ( تقلب عـلى فراشه ) ذكر الله وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر ، قال عـبدالله : غـير أنى لم أسمعـه يقول إلا خيراً .
 فلما مضت الليالى الثلاث وكدت أن أحتقر عـمله قلت : يا عـبدالله لم يكن بينى وبين أبى غـضب ولا هجرة ، ولكنى سمعـت رسول الله يقول لك ثلاث مرات : ( يطلع عـليكم الآن رجل من أهل الجنة ) فطلعـت أنت الثلاث المرات ، فأردت أن آوى إليك لأنظر ما عـملك فأقتدى به ، فلم أرك تعـمل كبير عـمل ، فما الذى بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عـليه وسلم ؟ قال : ما هو إلا ما رأيت ، فلما وليت دعـانى فقال : ما هو إلا ما رأيت غـير أنى لا أجد فى نفسى لأحد من المسلمين غـشاً ولا أحسد أحداً عـلى خير أعـطاه الله إياه ، قال عـبدالله : فهذه التى بلغـت بك ، وهى التى لا تطاق .
 يقول النبى صلى الله عـليه وسلم : ( من أحب لله وأبغـض لله وأعـطى لله ومنع لله فقد استكمل وليس هذا فحسب ، بل إن المحبة من أجل الله توجب محبة الله للعـبد .
 إن الله تعـالى يقول : ( حقت محبتى للمتحابين فى وحقت محبتى للمتواصلين فى وحقت محبتى للمتناصحين فى ، وحقت محبتى للمتزاورين فى ، وحقت محبتى للمتباذلين فى ، المتحابون فى عـلى منابر من نور يغـبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء .
 بل يصبح من السبعـة الذين يظلهم الله فى ظله .
 فقد قال صلى الله عـليه وسلم : ( سبعـة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله : وذكر منهم - ورجلان تحابا فى الله اجتمعـا عـليه وتفرقا عـليه .
 ولقد كانت تلك المحبة سببا فى وجوب الجنة لرجل يحب أخاه من أجل الله عـز وجل .
 قال صلى الله عـليه وسلم : ( إن رجلا زار أخا له فى الله فأرصد الله له ملكاً ، فقال أين تريد ؟ قال : أريد أن أزور أخى فلانا ، فقال : لحاجة لك عـنده ؟ قال : لا ، قال : لقرابة بينك وبينه ؟ قال : لا ، قال : فبنعـمة لك عـنده ؟ قال : لا ، قال : فيم ؟ قال : أحبه فى الله ، قال : فإن الله أرسلنى إليك أخبرك بأنه يحبك لحبك إياه وقد أوجب لك الجنة ) .
 يقول الشافعـى رحمه الله عـليه :
    إذا المرء لا يرعـاك إلا تكلفا          فدعـه ولا تكثر عـليه التأسفا
   ففى الناس إبدال وفى الترك راحة      وفى القلب صبر للحبيب ولو جفا
   فما كل من تهواه يهواك قلبه            ولا كل من صافيته لك قد صفا
   إذا لم يكن صفو الوداد طبيعـة         فلا خير فى خل يجئ تكلفا
   ولا خير فى خل يخون خليله            ويلقاه من بعـد المودة بالجفا
   وينكر عـيشا قد تقادم عـهده         ويظهر سراً كان بالأمس قد خفا
   سلام عـلى الدنيا إذا لم يكن           بها صديق صدوق الوعـد منصفا
 ولقد بدأت حديثى عـن الصحابى الجليل ( سعـد بن الربيع ) رضى الله عـنه ، بالكلام عـن الأخوة ، وذلك لأنه ضرب المثل الأعـلى فى الأخوة حتى إننا لا نستطيع أن نتحدث عـن أمر الأخوة إلا ونذكر بقلوبنا قبل ألسنتنا .


  نشأة مباركة :

 لقد نشأ ( سعـد ) فى أسرة عـريقة فلقد كان والده ( الربيع بن عـمرو ) من سادات بنى الحارث الخزرجيين ، وأمه هزيلة بنت عـنبة من القبيلة نفسها .
 ولما كان اليهود يعـيرون العـرب بأنهم أمه أمية : أرسل الربيع ولده ( سعـداً ) ليتلقى الكتابة والقراءة .
 وأصبح ( سعـد ) سيداً وتحلى بالأخلاق والآداب التى يتحلى بها رئيس القوم ، بل وأصبح جديراً بحب الخزرج واحترامهم .
 ولقد امتن الله عـليه بعـقل سليم ناضج وقلب يحب الخير لكل من حوله ، ولذلك كان يبغـض الخلافات والحروب التى تدور من حوله .

 موعـد مع السعـادة :

 وها هو عـلى موعـد مع القدر ومع السعـادة الأبدية .
 فلقد كان النبى صلى الله عـليه وسلم يدعـو الناس فى مواسم الحج .
 وذات يوم خرج رسول الله صلى الله عـليه وسلم فى الموسم الذى لقيه فيه النفر من الأنصار ، فعـرض نفسه عـلى قبائل العـرب ، كما كان يصنع فى كل موسم ، فبينما هو عـند العـقبة لقى رهطاً من الخزرج أراد الله بهم خيراً .
 فلما لقيهم رسول الله صلى الله عـليه وسلم قال لهم : ( من أنتم ؟ ) قالوا : نفر من الخزرج ، قال : ( أمن موالى يهود ؟ قالوا : نعـم ، قال : ( أفلا تجلسون أكلمكم ؟ ) قالوا : بلى ، فجلسوا معـه ، فدعـاهم إلى الله - عـز وجل ، وعـرض عـليهم الإسلام ، وتلا عـليهم القرآن ، قال : وكان مما صنع الله بهم فى الإسلام ، أن يهود كانوا معـهم فى بلادهم ، وكانوا أهل كتاب وعـلم ، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان وكانوا قد غـزوهم ببلادهم ، فكانوا إذا كان بينهم شئ قالوا لهم : إن نبياً مبعـوث الآن قد أظل زمانه ، نتبعـه فنقتلكم قتل عـاد وإرم ,
 فلما كلم رسول الله صلى الله عـليه وسلم أولئك النفر ، ودعـاهم إلى الله ، قال بعـضهم لبعـش : يا قوم ، تعـلموا والله إنه للنبى الذى توعـدكم به يهود ، فلا يسبقنكم إليه ، فأجابوه فيما دعـاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عـرض عـليهم من الإسلام ، وقالوا : إنا قد تركنا قومنا ، ولا قوم بينهم من العـداوة والشر ما بينهم ، فعـسى أن يجمعـهم الله بك ، فسنقدم عـليهم ، فندعـوهم إلى أمرك ، ونعـرض عـليهم الذى أجبناك إليه من هذا الدين ، فإن يجمعـهم الله عـليه فلا رجل أعـز منك .
 ثم انصرفوا عـن رسول الله صلى الله عـليه وسلم راجعـين إلى بلادهم ، وقد آمنوا وصدقوا .
 فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عـليه وسلم ودعـوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم ، فلم تبق دار الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عـليه وسلم .
 حتى إذا كان العـام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عـشر رجلاً ، فلقوه بالعـقبة ، وهى العـقبة الأولى ، فبايعـوا رسول الله صلى الله عـليه وسلم عـلى بيعـة النساء وذلك قبل أن تفترض عـليهم الحرب .
 ثم بعـث رسول الله صلى الله عـليه وسلم معـهم مصعـب بن عـمير ، وأمره أن يقرئهم القرآن ، ويعـلمهم الإسلام ، ويفقههم فى الدين ، فكان يسمى المقرى بالمدينة : مصعـب ،  وكان منزله عـلى أسعـد زرارة ، أبى أمامة .
 وقام مصعـب - رضى الله عـنه ، يحمل أمانة الدعـوة إلى الله فاستطاع أن يستميل القلوب وأن يأخذ بأيدى العـباد من عـبادة العـباد إلى عـبادة رب العـباد ، ومن جور الأديان إلى عـدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعـة الآخرة ، حتى أسلم يديه سعـد بن معـاذ وأسيد بن حضير وغـيرهم من الصادقين - رضى الله عـنهم ، وكان من بينهم سعـد بن الربيع رضى الله عـنه ، الذى كان عـلى موعـد مع سعـادة الأبد وخيرى الدنيا والآخرة .
 فلقد لامس الإيمان شغـاف قلبه .
 وما إن أسلم ( سعـد ) حتى تاقت نفسه إلى لقاء الحبيب صلى الله عـليه وسلم .

 لقاء مع الحبيب صلى الله عـليه وسلم :

 وجاءت تلك اللحظة التاريخية التى لن تتكرر أبداً ، ألا وهى بيعـة العـقبة الثانية وخرج الأنصار لمبايعـة رسول الله صلى الله عـليه وسلم .
 وكان من بين من خرج لميايعـة النبى صلى الله عـليه وسلم بيعـة العـقبة الثانية ( سعـد بن الربيع ) رضى الله عـنه ، الذى كان فى أشد شوقه للقاء الحبيب صلى الله عـليه وسلم لينهل من هذا المعـين الصافى ما يثلج صدره وليقبس من هديه وحكمته وأخلاقه العـذبة .
 وأمتدت يده لتصافح الحبيب صلى الله عـليه وسلم ولتبايعـة .
 ثم عـاد ( سعـد ) إلى المدينة وقد امتلأ قلبه بالسعـادة التى لو قسمت عـلى أهل الأرض لو سعـتهم أجمعـين .

 الهجرة المباركة :

 ولما اشتد الإيذاء بأصحاب الحبيب صلى الله عـليه وسلم أذن لهم بالهجرة إلى يثرب ( المدينة المنورة ) .
 وخرج المهاجرون إلى يثرب فراراً بدينهم من بطش قريش ، فنزلوا فى رحاب إخوانهم من الأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان الذين قال الله عـنهم :
 ( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون عـلى أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) .
 ولما استقر المقام بالحبيب صلى الله عـليه وسلم فى المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار ، وهنا ظهرت نوادر الإخاء والحب والتضحية بصورة لا يتصورها عـقل ولا تخطر ببال أحد من البشر ، فكانت تلك الأخوة التى لا تتكرر أبداً عـبر العـصور والأزمان .

 ويؤثرون عـلى أنفسهم ولو كان بهم خصاصة :

 وها هو سعـد بن الربيع الذى تعـايش مع كل آية من آيات القرآن ومع كل حديث من أحاديث النبى صلى الله عـليه وسلم يحقق معـنى الأخوة كما أرادها الحق جل جلاله .
 فعـن أنس - رضى الله عـنه ، أنه قال : قدم عـلينا عـبدالرحمن بن عـوف وآخى النبى صلى الله عـليه وسلم بينه وبين سعـد ابن الربيع ، وكان كثير المال ، فقال سعـد : قد عـلمت الأنصار أنى من أكثرها مالاً سأقسم مالى بينى وبينك شطرين - نصفين ، ولى امرأتان فانظر أعـجبهما إليك فأطلقها حتى إذا حلت تزوجتها ، فقال عـبدالرحمن : بارك الله لك فى أهلك ، فلم يرجع يومئذ حتى أفضل شيئاً من سمن وأقط ، فلم يلبث إلا يسيراً حتى جاء رسول الله صلى الله عـليه وسلم وعـليه وضر من صفرة فقال له رسول الله صلى الله عـليه وسلم : ( مهيم ) قال : تزوجت امرأة من الأنصار ، قال : ( ما سقت فيها ) قال : وزن نواة من ذهب ، أو نواة من ذهب ، فقال : ( أولم ولو بشاة ) .
 وإن إعـجاب المرء بسماحة ( سعـد ) لا يعـدله إلا إعـجابه بنبل ( عـبدالرحمن ) الذى زاحم اليهود فى سوقهم وبزهم فى ميدانهم ، واستطاع بعـد أيام أن يكسب ما يعـف به نفسه ويحصن به فرجه ، ذلك أن عـلو الهمة من خلائق الإيمان .
 نعـم فإن الإسلام دين يحث عـلى العـمل ولا يرضى بالتواكل ولا يرضى أن يخدش المسلم حياءه أو يذهب ماء وجهه من أجل أن يسأل الناس أعـطوه أو منعـوه .

 قال الحسن البصرى : والله لقد رأيت أقواما كانت الدنيا أهون عـلى أحدهم من التراب تحت قدميه ، ولقد رأيت أقواما يمسى أحدهم ولا يجد عـنده إلا قوتا فيقول : لا أجعـل هذا كله فى بطنى ، فيتصدق ببعـضه ولعـله أحوج إليه ممن يتصدق عـليه .
 فانظر عـندما تعـفف عـبدالرحمن بن عـوف ، ورفض العـطاء الذى عـرضه عـليه سعـد بن الربيع عـوضه الله خيراً كثيراً وتزوج فى وقت قياسى ( ومن يستعـفف يعـفه الله ) فلقد كان زواج المسلمين ميسورا بأمر الله .
 ولم يكن هذا الموقف الإيمانى فى تحقيق معـنى الأخوة الصادقة مقصور عـلى ( سعـد ابن الربيع ) فحسب ن بل لقد كان الأنصار يضربون المثل والأسوة فى الحرص عـلى القيام بحقوق الأخوة الصادقة .
 وقد مدح الله - عـز وجل ، الأنصار بالإيمان والإيثار ن فقال تعـالى : ( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون عـلى أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) .
 وعـن ابن الأعـرابى قال : استشهد باليرموك عـكرمة بن أبى جهل ، وسهيل ابن أبى جهل ، وسهيل بن عـمرو بن الحارث بن هشام ، وجماعـة من بنى المغـيرة ، فأتوا بالماء وهم صرعـى ، فتدافعـوه حتى ماتوا ، ولم يذوقوه ، أتى عـكرمة بالماء فنظر إلى الحارث بن هشام ينظر أليه فقال : ابدءوا به ، فنظر سهيل إلى الحارث ابن هشام ينظر إليه فقال : ابدءوا بهذا ، فماتوا كلهم قبل أن يشربوا ، فمر بهم خالد بن الوليد فقال : بنفسى أنتم .
 وعـن حذيفة العـدوى قال : انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لى ومعـى شئ من ماء ، وأنا أقول : إن كان به رمق سقيته ن ومسحت به وجهه ، فإذا أنا به فقلت : أسقيك ؟ فأشار إلى أن نعـم ، فإذا رجل يقول : آه ، فأشار ابن عـمى إلى أن انطلق به إليه ، فجئته فإذا هو هشام بن العـاص ، فقلت : أسقيك ؟ فسمع به آخر فقال : آه ، فأشار هشام انطلق به إليه فجئته فإذا هو قد مات ، فرجعـت إلى هشام فإذا هو قد مات ، فرجعـت إلى ابن عـمى فإذا هو قد مات - رحمة الله عـليهم أجمعـين .


 صورة مشرقة من جهاده فى سبيل الله :

 منذ أن أعلن سعـد بن الربيع إسلامه لم يتوان عـن تقديم خدماته للإسلام وأهله ، وجاهد فى سبيل الله بنفسه وماله ، وكل ما يملك ، وجاءت معـركة بدر ، فخرجت قريش من مكة عـن بكرة أبيها معـتقدة أنها ستوجه الضربة القاصمة التى تقضى عـلى الإسلام وأهله ، لأن المسلمين بزعـمها قد تطاولوا عـليها ، وأقدموا عـلى التصدى لعـيرها وكسر هيبة قريش أمام العـرب ، وسمع الرسول صلى الله عـليه وسلم بخروج قريش ، فخرج بأصحابه حتى نزل فى بدر ، وعـبأ الرسول أصحابه أحسن تعـبئة وحثهم عـلى الصبر والثبات ، وبدأ الزحف من قبل قريش ، فالتقى الجمعـان ، وهجم المسلمون عـلى المشركين بقلوب ملؤها الإيمان بالحق والرغـبة فى الشهادة والطمع فى ثواب الله ، وأمد الله المؤمنين بروح من عـنده ، فأزدادت حماستهم وتضاعـفت قوتهم .
 وكان سعـد بن الربيع رضى الله عـنه ، يقاتل فى هذه الغـزوة قتال الأسود ، وأبلى فيها بلاء حسنا ، وتجاوز مقدار الشجاعـة ، حيث ظهر من شدة بأسه ما أدهش الكفار ، فلقد قتل أحد رؤوس المشركين وهو ( رفاعـة بن أبى رفاعـة ) ومع هذا كله فقد كان سعـد بن الربيع رضى الله عـنه يؤثر الصمت والهدوء ويقاتل فى سبيل الله ، وكان رسول الله صلى الله عـليه وسلم يعـرف عـنه هذا ويكن له كل الحب والتقدير .
 انتهت غـزوة بدر بانتصار المسلمين ، ولم يغـب سعـد بن الربيع عـن أنظار الرسول صلى الله عـليه وسلم ، بل ظل قريبا منه ، شهد غـدر يهود بنى قينقاع ومجاهرتهم العـداء للمسليمن ، ثم شهد إجلاءهم عـن المدينة المنورة ، وشهد المشاهد كلها حتى جاءت غـزوة أحد .

 يا رسول الله أجد ريح الجنة :

 وفى غـزوة أحد قاتل سعـد بن الربيع قتالاً شديداً ليظفر بتلك الأمنية التى كانت تشغـل قلوب الصحابة جميعـاً ، ألا وهى الشهادة فى سبيل الله .
 ولما انتهت تلك الغـزوة بدأ النبى صلى الله عـليه وسلم يتفقد التقلى والجرحى .
 قال زيد بن ثابت : بعـثنى رسول الله صلى الله عـليه وسلم يوم أحد أطلب ( سعـد بن الربيع ) فقال لى : ( إن رأيته فأقرئه منى السلام ، وقل له : يقول لك رسول الله صلى الله عـليه وسلم : كيف تجدك ) قال : فجعـلت أطوف بين القتلى ، فأتيته وهو بآخر رمق ، وفيه سبعـون ضربة : ما بين طعـنة برمح ، وضربة بسيف ، ورمية بسهم ، فقلت : يا سعـد ، إن رسول الله صلى الله عـليه وسلم يقرأ عـليك السلام ، ويقول لك ( أخبرنى كيف تجدك ) فقال : وعـلى رسول الله صىل الله عـليه وسلم السلام ، قل له : يا رسول الله أجد ريح الجنة ، وقل لقومى الأنصار : لا عـذر  لكم عـند الله إن خلص إلى رسول الله صلى الله عـليه وسلم وفيكم عـين تطرف ، وفاضت نفسه من وقته .
 وفى رواية : أنه ( لما كان يوم أحد قال رسول الله صلى الله عـليه وسلم : ( من رجل ينظر لى ما فعـل سعـد ابن الربيع فقال : رجل من الأنصار : أنا ، فخرج يطوف فى القتلى ، حتى وجد سعـدا جريحا مثبتا بآخر رمق ، فقال : يا سعـد إن رسول الله صلى الله عـليه وسلم أمرنى أن أنظر : أفى الأحياء أنت أم فى الأموات ؟ قال : فإنى فى الأموات ، فأبلغ رسول الله صلى الله عـليه وسلم السلام ، وقل : إن سعـداً يقول : جزاك الله عـنى خير ما جزى نبياً عـن أمته ، وأبلغ قومك منى السلام ، وقل لهم : إن سعـداً يقول لكم : إنه لا عـذر لكم عـند الله إن خلص إلى نبيكم ، أى أصابه مكروه ، وفيكم عـين تطرف ) .

 حفظ الله لذريته من بعـده :

 عـن جابر بن عـبدالله قال : جاءت امرأة سعـد بن الربيع بابنتيها من سعـد ، فقالت : يا رسول الله ، هاتان بنتا سعـد قتل أبوهما معـك يوم أحد شهيداً ، وإن عـمهما أخذ مالهما ، فلم يدع لهما مالاً ، ولا تنكحان إلا ولهما مال ، قال : ( يقضى الله فى ذلك ) فأنزلت آية المواريث ، فبعـث إلى عـمهما فقال : ( أعـط بنتى سعـد الثلثين ، وأعـط أمهما الثمن ، وما بقى فهو لك ) .
 وهكذا يحفظ الله العـبد الصالح وذريته من بعـده كما جاء فى سورة الكهف فى شأن الغـلامين اليتيمين ، قال تعـالى : ( وأما الجدار فكان لغـلامين يتيمين فى المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغـا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعـلته عـن أمرى ذلك تأويل ما لم تسطع عـليه صبرا ) .