أبي ذر الغفاري

  من سره أن ينظر إلى تواضع عـيسى فلينظر إلى أبى ذر
                                          محمد رسول الله صلى الله عـليه وسلم
 قال صلى الله عـليه وسلم ( خياركم فى الجاهلية خياركم فى الإسلام إذا فقهوا ) .
 وها نحن نفتح صفحة نقية بيضاء لهذا الصحابى الجليل الذى ملأ الدنيا بزهده رورعـه الذى لم تستطع الدنيا أن تنال من قلبه شيئاً إنه أبو ذر الغـفارى .
 أحد السابقين الأولين ، من نجباء أصحاب محمد صلى الله عـليه وسلم .
 قيل : كان خامس خمسة فى الإسلام ، ثم إنه رد إلى بلاد قومه ، فأقام بها بأمر النبى صلى الله عـليه وسلم له بذلك ، فلما أن هاجر النبى صلى الله عـليه وسلم هاجر إليه أبو ذر - رضى الله عـنه ، ولازمه ، وجاهد معـه .
 وكان يفتى فى خلافة أبى بكر ، وعـمر ، وعـثمان .
 وكان رأساً فى الزهد ، والصدق ، والعـلم والعـمل ، قوالاً بالحق ، لا تأخذه فى الله لومة لائم ، عـلى حدة فيه .
 وقد شهد فتح بيت المقدس مع عـمر .

  قصة إسلامه :

 لقد كان أبو ذر - رضى الله عـنه ، يعـيش فى قبيلة تسمى ( غـفار ) وهى قبيلة مشهورة بقطع الطريق عـلى القوافل فإن أعـطتها القافلة ما تريد وإلا أغـارت عـليها وأخذت كل ما فيها .
 وكان أبو ذر يتعـبد قبل مبعـث رسول الله صلى الله عـليه وسلم ، بل كان يجلس وحده كثيراً للتفكر، إنه يبحث عـن عـالم آخر يجد فيه الأمان والأمانة والمحبة والإخاء ، يبحث عـن فجر قريب يضئ أركان الكون ويبدد ظلمات الجاهلية فيحولها إلى عـالم مثالى يعـيش الناس فيه عـلى قلب رجل واحد .
 وكانت تلك الأمنية لا يمكن أن تتحقق بحال من الأحوال إلا فى ظل هذا الدين العـظيم .
 وما هى إلا فترة يسيرة حتى سمع أبو ذر بمبعـث نبى آخر الزمان صلى الله عـليه وسلم فأراد أن يتثبت من هذا الخبر ، أقصد هذا الحلم الجميل الذى ملأ قلبه فرحة وسروراً وسعـادة لو وزعـت عـلى الكون كله لاكتفى الكون من تلك السعـادة وتصدقوا بما تبقى منها عـلى سائر الكواكب .
 وهنا أدع المجال لهذا الصحابى الجليل ليروى لنا جميعـاً قصة إسلامهت .
 قال أبو ذر : بلغـنى أن رجلاً بمكة قد خرج ، يزعـم أنه نبى ، فأرسلت أخى ليكلمه ، فقلت : انطلق إلى هذا الرجل ، فكلمه فانطلق فلقيه ، ثم رجع ، فقلت : ما عـندك ؟ قال : والله ، لقد رأيت رجلاً يأمر بالخير ، وينهى عـن الشر ، قلت : لم تشفنى ، فأخذت جراباً وعـصاً ، ثم أقبلت إلى مكة ، فجعـلت لا أعـرفه وأكره أن أسأل عـنه ، وأشرب من ماء زمزم ، وأكون فى المسجد ، فمر ( عـلى بن أبى طالب ) فقال : هذا رجل غـريب ؟ قلت : نعـم ، قال : انطلق إلى المنزل ، فانطلق معـه ، لا أساله عـن شئ ، ولا يخبرنى .
 فلما أصبح الغـد ، جئت إلى المسجد لا أسأل عـنه ، وليس أحد يخبرنى عـنه بشئ ، فمر بى ( عـلى ) فقال : أما آن للرجل أن يعـود ؟ قلت : لا ، قال ما أمرك ، وما أقدمك ؟ قلت : إن كتمت عـلى أخبرتك ؟ قال : أفعـل ، قلت : قد بلغـنا أنه خرج نبى ، قال : أما قد رشدت ، هذا وجهى إليه ، فاتبعـنى وادخل حيث أدخل ، فإنى إن رأيت أحداً أخافه عـليك ، قمت إلى الحائط كأنى أصلح نعـلى ، وامض أنت .
 فمضى ، ومضيت معـه ، فدخلنا عـلى النبى صلى الله عـليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله ، اعـرض عـلى الإسلام ، فعـرض عـلى ، فأسلمت مكانى ، فقال لى : يا أبا ذر ، اكتم هذا الأمر ، وارجع إلى قومك ، فإذا بلغـك ظهورنا ، فأقبل .
 فقلت : والذى بعـثك بالحق ، لأصرخن بها بن أظهرهم .
 فجاء إلى المسجد وقريش فيه ، فقال : يا معـشر قريش ، إنى أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عـبده ورسوله ، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ ، فقاموا : فضربت لأموت ، فأدركنى العـباس ، فاكب عـلى ، وقال : ويلكم تقتلون رجلاً من غـفار ومتجركم وممركم عـلى غـفار ، فأطلقوا عـنى ، فلما أصبحت ، رجعـت ، فقلت مثل ما قلت بالأمس ، فقالوا : قوموا إلى هذا الصابئ ، فصنع بى كذلك ، وأدركنى العـباس ، فأكب عـلى .
 وعـن أبى ذر ، قال : كنت رابع الإسلام ، أسلم قبلى ثلاثة ، فأتيت نبى الله فقلت : سلام عـليك يا نبى الله ، وأسلمت ، فرأيت الاستبشار فى وجهه ، فقال : من أنت ؟ قلت : جندب ، رجل من غـفار .
 قال : فرأيتها فى وجه رسول الله صلى الله عـليه وسلم وكان فيهم من يسرق الحاج .
 وفى رواية أنه قال لأخيه أنيس : اكفنى حتى أذهب فأنظر ، قال : فأتيت مكة فتضعـفت رجلاً منهم فقلت : أين هذا الذى تدعـونه الصابى ؟ فأشار إلى فقال : الصابئ .
 فمال عـلى أهل البوادى بكل مدرة وعـظم حتى خررت مغـشيا عـلى قال : فارتفعـت حين ارتفعـت كأنى نصب أحمر ، قال : فأتيت زمزم فغـسلت عـنى الدماء وشربت من مائها ، ولقد لبثت يا ابن أخى ثلاثين بين ليلة ويوم ما كان لى طعـام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عـكن بطنى وما وجدت عـلى كبدنى سخفه جوع ، إلى أن قال : وجاء رسول الله حتى استلم الحجر ، وطاف بالبيت هو وصاحبه ثم صلى فلما قضى صلاته ( قال أبو ذر ) : فكنت أنا أول من حياه بتحية الإسلام . قال : قلت : السلام عـليك يا رسول الله ، قال : ( وعـليك ورحمة الله ) ثم قال : ( ممن أنت ) قال : قلت : من غـفار ، قال : فأهوى بيده فوضع أصابعـه عـلى جبهته ، فقلت فى نفسى : كره أن انتميت إلى غـفار ، فذهبت آخذ بيده فقدعـنى صاحبه ، وكان أعـلم به منى ، ثم رفع رأسه ثم قال : ( متى كنت هاهنا ) قال : قلت : قد كنت ههنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم قال : ( فمن كان يطعـمك ) قال : قلت : ما كان لى طعـام إلا ماء زمزم ، فسمنت حتى تكسرت عـكن بطنى ، وما أجد عـلى كبدى سخفة جوع ، قال : ( إنها مباركة ، إنها طعـام طعـم ) فقال أبو بكر : يا رسول الله ائذن لى فى طعـامه الليلة ، فانطلق رسول الله صلى الله عـليه وسلم وأبو بكر ، وانطلقت معـهما ففتح أبو بكر بابا فجعـل يقبض لنا من زبيب الطائف ، وكان ذلك أول طعـام أكلته بها ثم غـبرت ما غـبرت ، ثم أتيت رسول الله صلى الله عـليه وسلم فقال : ( أنه قد وجهت لى أرض ذات نخل لا أراها غلا يثرب فهل أنت مبلغ عـنى قومك ، عـسى الله أن ينفعـهم بك وبأجرك فيهم ) فأتيت أنيساً فقال : ما صنعـت ؟ قلت : صنعـت أنى قد أسلمت وصدقت ، قال : ما بى رغـبة عـن دينك فإنى قد أسلمت وصدقت فاحتملنا حتى أتينا قومنا غـفاراً فأسلم نصفهم ، وكان يؤمهم أيماء بن رخصة الغـفارى ، وكان سيدهم ، وقال نصفهم : إذا قدم رسول الله صلى الله عـليه وسلم المدينة أسلمنا ، فقدم رسول الله صلى الله عـليه وسلم المدينة فأسلم نصفهم الباقى ، وجاءت أسلم ، قبيلة أسلم فقالوا : يا رسول الله ، إخوتنا نسلم عـلى الذى أسلموا عـليه ، فأسلموا ، فقال رسول الله صلى الله عـليه وسلم ( غـفار غـفر الله لها ، وأسلم سالمها الله ) .
 وهكذا حمل أبو ذر أمانة هذا الدين عـلى أعـناقه فمن أول لحظة لامس الإيمان شغـاف قلبه وأحسن بنوره أراد أن يعـيش الكون كله فى هذا النور .
 وعـاش أبو ذر فى قبيلته زاهداً عـابداً حتى مضت غـزوة بدر وأحد والخندق ، ثم جاء إلى الحبيب صلى الله عـليه وسلم فى المدينة ولازم النبى صلى الله عـليه وسلم واستأذنه فى أن يقوم بخدمته فأذن له .

 رحم الله أبا ذر ، يمشى وحده ويموت وحده ويبعـث وحده :

 وفى الطريق إلى غـزوة تبوك مضى رسول الله صلى الله عـليه وسلم سائراً ، فجعـل يتخلف عـنه الرجل ، فيقولون : يا رسول الله ، تخلف فلان ، فيقول : ( دعـوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله تعـالى بكم ، وإن يك غـير ذلك فقد أراحكم الله منه ) حتى قيل : يا رسول الله ، قد تخلف أبو ذر ، وأبطأ به بعـيره ، فقال : ( دعـوه يك فيه خير فسيلحقه الله بكم ، وإن يك غـير ذلك فقد أراحكم الله منه ) وتلوم أبو ذر عـلى بعـيره ن فلما أبطأ عـليه ، أخذ متاعـه فحمله عـلى ظهره ، ثم خرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عـليه وسلم ماشياً ، ونزل رسول الله صلى الله عـليه وسلم فى بعـض منازله ، فنظر ناظر من المسلمين فقال : يا رسول الله ، إن هذا لرجل يمشى عـلى الطريق وحده ، فقال رسول الله صلى الله عـليه وسلم : ( كن أبا ذر ) فلما تأمله القوم قالوا : يا رسول الله ، هو والله أبو ذر ، فقال رسول الله صلى الله عـليه وسلم : ( رحم الله أبا ذر ، يمشى وحده ، ويموت وحده ، ويبعـث وحده ) .

 محبة النبى صلى الله عـليه وسلم ووصاياه الغـالية له ( رضى الله عـنه ) :

 ولقد أحبه النبى صلى الله عـليه وسلم حبا جماً من أعـماق قلبه حتى إنه قال ذات مرة عـن أبى ذر - رضى الله عـنه : ( ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغـبراء من ذى لهجة أصدق ولا أوفى من أبى ذر شبه عـيسى ابن مريم ) .
 وقال رسول الله صلى الله عـليه وسلم ( من سره أن ينظر إلى تواضع عـيسى ابن مريم ، فلينظر إلى أبى ذر ) .
 وها هو الحبيب صلى الله عـليه وسلم يوصيه بتلك الوصايا الغـالية :
 فعـن أبى ذر قال : أوصانى خليلى صلى الله عـليه وسلم بسبع ( أمرنى بحب المساكين والدنو منهم ، وأمرنى أن أنظر إلى من هو دونى ، وأن لا أسأل أحداً شيئاً ، وأن أصل الرحم وإن أدبرت ، وأن أقول الحق وإن كان مراً ، وألا أخاف فى الله لومة لائم ، وأن أكثر من قول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فإنهن من كنز تحت العـرش ) .
 وقد قال النبى صلى الله عـليه وسلم لأبى ذر مع قوة أبى ذر فى بدنه وشجاعـته ( يا أبا ذر ، أنى أراك ضعـيفاً ، وإنى أحب لك ما أحب لنفسى ، لا تأمرن عـلى اثنين ، ولا تولين مال يتيم ) .
 قال الإمام الذهبى - رحمه الله : فهذا محمول عـلى ضعـف الرأى ، فإنه لو ولى مال يتيم ، لأنفقه كله فى سبيل الخير ، ولترك اليتيم فقيراً ، فقد ذكرنا أنه كان لا يستجيز ادخار النقدين ، والذى يتأمر عـلى الناس ن يريد أن يكون فيه حلم ومداراة وأبو ذر - رضى الله عـنه ، كانت فيه حدة كما ذكرنا ، فنصحه النبى صلى الله عـليه وسلم .
 بل كان النبى صلى الله عـليه وسلم يقربه إليه كثيراً .
 فعـن أبى ذر ، قال : كنت ردف رسول الله صلى الله عـليه وسلم عـلى حمار وعـليه برذعـة أو قطيفة .
 وهذا دليل على عـظيم تواضع النبى صلى الله عـليه وسلم وعـلى شدة محبته لأبى ذر - رضى الله عـنه .

 مكانته فى قلوب الصحابة ( رضى الله عـنهم ) :

 سئل ( عـلى ) عـن أبى ذر ، فقال : وعـى عـلماً عـجز عـنه ، وكان شحيحاً عـلى دينه ، حريصاً عـلى العـلم ، يكثر السؤال وعـجز عـن كشف ما عـنده من العـلم .
 وعـن ( عـلى ) قال : لم يبق أحد لا يبالى فى الله لومة لائم ، غـير أبى ذر ولا نفسى ثم ضرب بيده عـلى صدره .
 ولما توفى رسول الله صلى الله عـليه وسلم ولجق بالرفيق الأعـلى لم يستطيع أبو ذر أن يعـيش فى المدينة بعـد أن أظلمت بموت الحبيب صلى الله عـليه وسلم وخلت من صوته العـذب ومجالسه المباركة فرحل إلى البادية وعـاش فيها مدة خلافة الصديق والفاروق - رضى الله عـنهما .
 وفى خلافة عـثمان - رضى الله عـنه ، نزل فى ( دمشق ) فلما رأى أن كثيراً من المسلمين قد أقبلوا عـلى الدنيا وانغـمسوا فى الترف قام فيهم ناصحاً ومذكراً .
 ولما استدعـاه عـثمان - رضى الله عـنه ، يوما قام أبو ذر - رضى الله عـنه ن وطلب منه أن يأذن له فى أن ينزل ( بالربذة ) فأذن له .

 الرد عـلى من زعـم أن عـثمان أخرج أبا ذر إلى الربذة ( رضى الله عـنهما ) :

 بكل أسف وجدت أن كثيراً ممن كتبوا عـن الصحابة - رضى الله عـنهم ، يثبتون فى كتبهم أن عـثمان بن عـفاف رضى الله عـنه ، قد أخرج أبا ذر - رضى الله عـنه ، إلى الربذة عـلى الرغـم من أن أبا ذر كان لا يريد ذلك .
 وهذا ظلم عـظيم ، ومنكر أثيم ، فعـثمان - رضى الله عـنه ، أعـدل وأفضل من أن يفعـل بالأفاضل من الصحابة ما لا يستحقون أو ينالهم بمكروه ، وإنما كان هذا من عـثمان تخييراً لأبى ذر والدليل عـلى ذلك ما رواه زيد بن وهب قال : ( مررت بالربذة ، فقلت : لأبى ذر - رضى الله عـنه : ما أنزلك هذا المنزل ، فقال : أخبرك ، إنى كنت بالشام فتذاكرت أنا ومعـاوية هذه الأية : ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله ) .
 فقال معـاوية : هذا نزلت فى أهل الكتاب ، وقلت أنا : هى فيهم وفينا ، فكتب معـاوية إلى عـثمان فى ذلك فكتب إلى : أن أقدم عـلى ، فقدمت عـليه فانثال عـلى الناس كأنهم لم يعـرفونى فشكوت ذلك إلى عـثمان ، فخيرنى فقا ل: أنزل حيث شئت ) .
 وقال عـبدالله بن الصامت : ( دخلت مع أبى ذر فى رهط من غـفار عـلى عـثمان بن عـفان من الباب الذى لا يدخل عـليه منه ، قال : وتخوفنا عـثمان عـليه ، فانتهى إليه فسلم عـليه ، قال : ثم ما بدأه بشئ إلا أن قال : أحسبتنى منهم يا أمير المؤمنين ؟ والله ما أنا منهم ، يعـنى الخوارج ، ولا أدركهم ، ولو أمرتنى أن أعـض عـلى عـرقوبى قتب لعـضضت عـليهما حتى يأتينى الموت وأنا عـاض عـليها .
 قال : صدقت يا أبا ذر ، إنا إنما أرسلنا لخير ، لتجاورنا بالمدينة .
 قال : لا حاجة لى فى ذلك ، ثم استأذنه فى الربذة ، فقا ل: ائذن لى فى الربذة .
 قال : نعـم نأذن لك ، ونأمر لك بنعـم من نعـم الصدقة تغـدو عـليك وتروح فتصيب من رسلها ، اللبن .
 قا ل: لا حاجة لنا فى ذلك ، يكفى أبا ذر صرمته ثم خرج فنادى : دونكم معـاشر قريش ن دنياكم فاعـذموها لا حاجة لنا فيها ودعـونا وديننا .
 قال غـالب القطان : قلت للحسن البصرى : أعـثمان أخرج أبا ذر ؟ قال : لا معـاذ الله .
 وكان محمد بن سيرن - رحمه الله ، إذا ذكر له أن عـثمان بن عـفان سيره أخذه أمر عـظيم ويقول : هو خرج من قبل نفسه ، ولم يسيره عـثمان - رضى الله عـنه .

 صفحات مضيئة من زهد وعـبادته :

  وعـاش أبو ذر - رضى الله عـنه ، حياة الزهد والتقشف فى ( الربذة ) وظل عـلى تلك الحالة التى تركه عـليها رسول الله صلى الله عـليه وسلم .
 عـن أبى بكر بن المنكدر ، قال : بعـث حبيب بن مسلمة ، وهو أمير بالشام ، إلى أبى ذر بثلاث مائة دينار ، وقال : استعـن بها عـلى حاجتك ، فقال أبو ذر : ارجع بها إليه أو ما وجد أحداً أغـر بالله - عـز وجل منا ؟ ما لنا إلا ظل نتوارى به ، وثلة من غـنم تروح عـلينا ، ومولاة لنا تصدقت عـلينا بخدمتها ثم إنى لأتخوف الفضل - الزيادة .
 وعـن جعـفر بن سليمان قال : دخل رجل عـلى أبى ذر فجعـل يقلب بصره فى بيته فقال : يا أبا ذر أين متاعـكم ؟ قال : لنا بيت نوجه إليه صالح متاعـنا ، قال : إنه لا بد لك من متاع ما دمت ها هنا ، قال : إن صاحب المنزل لا يدعـنا فيه .
 وعـن عـبدالله بن سيدان عـن أبى ذر أنه قال : فى المال ثلاثة شركاء : القدر ، لا يستأمرك أن يذهب بخيرها أو شرها من هلاك أو موت ، والوارث ينتظر أن تضع رأسك ثم يستاقها وأنت ذميم ، وأنت الثالث فإن استطعـت أن لا تكون أعـجز الثلاثة فلا تكونن .
 إن الله - عـز وجل يقول : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) وإن هذا الجمل مما كنت أحب من مالى فأحببت أن أقدمه لنفسى وكان أبو ذر قد تصدق بهذا الجمل .
 وقال ثابت البنانى : بنى أبو الدرداء مسكناً ، فمر عـليه أبو ذر ، فقال : ما هذا ، تعـمر داراً أذن الله بخرابها لأن تكون رأيتك تتمرغ فى عـذرة أحب إلى من أكون رأيتك فيما رأيتك فيه .
 وعـن أبى أسماء ، أنه دخل عـلى أبى ذر بالربذة ، وعـنده امرأة له سوداء مشعـثة ليس عـليها أثر المجاسد والخلوق فقال : ألا تنظرون ما تأمرنى به ؟ تأمرنى أن آتى العـراق ، فإذا أتيتها مالوا عـلى بدنياهم ، وإن خليلى عـهد إلى : ( إن دون جسر جهنم طريقاً ذا دحض ومزلة ) وإنا أن نأتى عـليه وفى أحمالنا اقتدار أحرى أن ننجو ( من أن نأتى عـليه ونحن مواقير ) .

 من وصاياه ونصائحه الغـالية :

 عـن سفيان الثورى قال : قام أبو ذر الغـفارى عـند الكعـبة فقال : يا أيها الناس ، أنا جندب الغـفارى هلموا إلى الأخ الناصح الشفيق ، فاكتنفه الناس ، فقال : أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفراً أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلغـه ؟ قالوا : بلى قال : فإن سفر طريق القيامة أبعـد ما تريدون ، فخذوا ما يصلحكم ، قالوا : وما يصلحنا ؟ قال : حجوا حجة لعـظائم الأمور وصوموا يوماً شديداً حره لطول النشور ، وصلوا ركعـتين فى سواد الليل لوحشة القبور ، كلمة خير تقولها أو كلمة شر تسكت عـنها لوقوف يوم عـظيم .
 تصدق بمالك لعـلك تنجو من عـسيرها ، اجعـل الدنيا مجلسين مجلساً فى طلب الحلال ومجلساً فى طلب الآخر ، الثالث يضر ولا ينفعـك لا ترده .
 اجعـل المال درهمين : درهماً تنفقه عـلى عـيالك من حله ، ودرهماً تقدمه لآخرتك ، الثالث يضرك ولا ينفعـك لا ترده ثم نادى بأعـلى صوته : يا أيها الناس ، قد قتلكم حرص لا تدركونه أبداً .
 وعـن نافع الطاحى قال : مررت بأبى ذر فقال لى : ممن أنت ؟ قلت : من أهل العـراق .
 قال : أتعـرف عـبدالله بن عـامر ؟ قلت : نعـم  قال : فإنه كان يتقرأ معـى ويلزمنى ، ثم طلب الإمارة ، فإذا قدمت البصرة فترايا له ، فإنه سيقول لك حاجة فقل له : أخلنى ، فقل له : أنا رسول أبى ذر إليك وهو يقرئك السلام ويقول لك : إنا نأكل من التمر ، ونشرب من الماء ونعـيش كما تعـيش .
 فلما قدمت تراءيت له فقال : ألك حاجة ؟ فقلت : أخلنى أصلحك الله ، فقلت : أنا رسول أبى ذر إليك ، فلما قلتها خشع لها قلبه وهو يقرأ عـليك السلام ويقول لك : إنا نأكل من التمر ونشرب من الماء ونعـيش كما تعـيش ، قال : فحلل إزاره ثم أدخل رأسه فى جيبه ثم بكى حتى ملأ جيبه بالبكاء .

 وحان وقت الرحيل :

 وبعـد تلك الحياة المليئة بالزهد والعـطاء والطاعـة نام أبو ذر - رضى الله عـنه ، عـلى فراش الموت ليسلم الروح إلى بارئها وليلحق بالحبيب صلى الله عـليه وسلم وأصحابة فى جنة الرحمن إخواناً عـلى سرر متقابلين .
 قال الإمام ابن كثير - رحمه الله ، واصفاً موت أبى ذر - رضى الله عـنه ، ( ثم نزل بالربذة فأقام بها حتى مات فى ذى الحجة من هذه السنة ، وليس عـنده سوى امرأته وأولاده ، فبينما هم كذلك لا يقدرون عـلى دفنه إذ قدم عـبدالله بن مسعـود من العـراق فى جماعـة من أصحابه ، فحضروا موته ، وأوصاهم كيف يفعـلون به وقيل قدموا بعـد وفاته ، فتولوا غـسله ودفنه .
 وكان قد أمر أهله أن يطبخوا لهم شاة من غـنمه ليأكلوا بعـد الموت ، وقد أرسل عـثمان ابن عـفاف إلى أهله فضمهم مع أهله .
 وهكذا يحفظ الله المؤمن فى ذريته كما كان يحفظ الله فى السر والعـلن ويمتثل أمره فى المنشط والمكره .